"البحث عن الزمن المفقود" أحد أجمل عناوين الكتب في الأدب العالمي، وقد يكون المدخل لنتاج يُعدّ من أبرز التجارب الأدبيّة في القرن العشرين. ولا يزال اسم مؤلّفه مثار اهتمام واسع ومحور مراجعات وكتب نقديّة تصدر سنوياً ومنها، أخيراً، هذا العام: "بروست، جائزة غونكور. فتنة أدبيّة"، لتييري لاجيه، (دار "غاليمار")، و"بروست قبل بروست" لبيرنار لوفالْوا، (دار "ليبيل لتر")، وينطلق هذا الكتاب من باكورة مارسيل بروست "المسرّات والأيّام"، بحثًا عن جذور كتاباته اللاحقة التي تتألّف منها تحفته الأدبيّة الموزّعة على سبعة أجزاء.
نَشْرُ الجزء الأوّل من "البحث عن الزمن المفقود"، وعنوانه "من جهة سوان"، لم يكن بالأمر السهل. دور نشر عدّة رفضت الكتاب بما فيها دار "غاليمار"، ممّا دفع بروست إلى نشره على حسابه الخاصّ. ولقد كتبَ أندريه جيد لاحقاً، بصفته مسؤولاً عن القرار، رسالة اعتذار عبّر فيها عن ندمه، وجاء فيها أنّ "رفض الكتاب سيبقى الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الدار، والحسرة الأكثر مرارة في حياتي".
أحد أعضاء لجان القراءة، ويدعى جاك مادلين، قرأ المخطوطة وكتب الكلمات الآتية: "بعد 712 صفحة، وكمّ كبير من الخيبات والغرق في مسارات لا يمكن اختراقها، ونفاد صبر وشعور باستحالة العودة إلى السطح مجدّداً، بعد ذلك كلّه، يتعذّر تكوين أيّ فكرة عن هذا العمل. لماذا هذه الأشياء كلّها؟ ما معناها، ما المبتغى منها وإلى أين ستؤدّي؟ من المستحيل معرفة أيّ شيء. ثمّة حالة مَرَضيّة بالفعل. حالة مرضيّة واضحة تماماً".
هذا النوع القاسي من ردود الفعل لم يحل دون متابعة المشروع الضخم. صحيح أنّ بروست يعاين الواقع من جوانبه المختلفة ويمعن في وصف أدقّ تفاصيل الحياة اليوميّة للوسط البورجوازي الفرنسي مطلع القرن العشرين، وصحيح أنّ ضمير المتكلّم حاضر منذ العبارة الأولى للكتاب، لكن الكتابة، هنا، تذهب أبعد من ذلك وتخرج من الذات الضيّقة لتلامس العالم. بروست لا يتوقف عند الظاهر المرئيّ فقط، بل يتجاوزه إلى ما هو غير مرئيّ. يتعقّبه بعيون مرهفة الإحساس وتتمتّع بقدرة كبيرة على الالتقاط. أليس هو القائل إن الرحلة الحقيقية الوحيدة لا تتمثّل في البحث عن مناظر طبيعيّة جديدة، بل في امتلاك عيون أخرى؟
رواية بروست بحرٌ من أسماء العَلَم ومن الشخصيات الأساسية والثانوية. متحف للفنون التشكيلية ولثقافة موسوعيّة. الكتاب يطفح بالموسيقى والهندسة، وفي كل زاوية منه يطالعنا عمل فنّي، من جيوتّو وبلّيني إلى فيلاسكيز ورامبرانت. الفنّ، بالنسبة إلى بروست، طريق إلى المصالحة مع الذات والعالم، فسحة من الحرّية ووسيلة لاستعادة أو استحضار أيّام ذهبَت. وهو، أكثر من ذلك، يساعد على تجاوز الحدود التي يفرضها علينا الوقت، والاحتماء من آثار الزمن على الوجوه وفي النفوس، وهذا ما نتلمّسه بالأخصّ في الجزء السابع والأخير من كتابه.
"البحث عن الزمن المفقود" جدارية شاسعة، قوس قزح بألف لون. يستقي من الواقع شخصيات روائيّة تختصر حالات إنسانية عامّة، ويتناول القوانين التي تحكم الحبّ وآليّات الغيرة، وأيضاً النسيان الذي يأتي دائماً على مهل. كما يلقي الأضواء على التحولات الاجتماعية التي تضاعفت مع الحرب العالمية الأولى. إنّه عالم صالونات الأثرياء والمحظيّين الذين يعيشون حياة مترفة في الأحياء الراقية. عالم المظاهر والأناقة والفراغ وعبثية الحياة الاجتماعية الباذخة، وأحوال الغواية والجنس، وصولاً إلى المناطق الغامضة في النفس.
داخل شقّته الباريسيّة، في شارع أُوسمان، كان بروست يبني عمارة شاهقة من الكلمات والذكريات والأحلام، ويذهب بها إلى أماكن إنسانيّة وجماليّة بعيدة. كان يكتب كأنه يسابق الموت. الموت الذي نفكّر فيه "كما لو أنه مقيم في فضاء غامض وبعيد" بينما هو "على صلة مع النهار الذي يبدأ"، بحسب تعبيره. ذات يوم، قال لخادمته سيليست ألباريه، المؤتمنة على أسراره والحاضرة في نتاجه: "وضعتُ، هذه الليلة، كلمة النهاية. الآن، أستطيع أن أموت". كأنّه كان يعيش من أجل إتمام هذه المهمّة، هو الذي عانى، منذ طفولته، من صحّة هشّة ومن مرض الربو. وذلك لم يمنعه من الاستمرار في الكتابة حتى وفاته في العام 1922، ولم يُثنه عن الانتقال في القطار، كلّ صيف، إلى "الفندق الكبير" في مدينة "كابور" الصغيرة في منطقة النورماندي، ومعه أوراقه ودفاتره. وكان الفندق المطلّ على بحر المانش، والذي ترتاده الطبقة الفرنسية المترفة، مختبراً آخر لعمله الروائي، ينهل من الشخصيات التي تصادفه هناك، يراقب حركاتها وتصرّفاتها وتتناهى إليه أصواتها. ومن نافذة غرفته في الطابق الرابع، كان ينظر إلى الفتيات اليانعات، المتفتّحات كأزهار الربيع، وهنّ يتنزّهن أمامه على الشاطئ، مطمئنّات، لامباليات بالوقت. تلك الغرفة، لا تزال إلى اليوم، تماماً كما كانت حين تركها ولم يعد. سريره في مكانه، ومكتبه الخشبيّ في الزاوية إلى جهة اليسار. وبعض عباراته التي تصف ذلك المكان الجميل حُفرت على ألواح حجريّة بيضاء وتناثرت حول الفندق وعلى امتداد الشاطئ ليقرأها العابرون من أمام البحر.