سعيد غريّب

الطارئون على الحكم

3 شباط 2024

02 : 00

يُروى أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب وقف على كرسيّ ليمسك بقنديل كان يضيء الدار حيث كان يتحدّث أمام جمهرة من المؤمنين، ويعيد تعبئته بالوقود المستخدم في ذلك الزمن، بعدما خفّ نوره وانطفأ. اعترض الحاضرون على ما فعله أمير المؤمنين، ولم يتقبّلوا فكرة أن يقوم هو بنفسه ليملأ زجاجة القنديل ويضيئه، قبل أن يعود إلى مكانه، ووقف أحدهم وقال له: «يا مولانا نحن هنا لخدمتك ولست لخدمتنا». توجّه أمير المؤمنين إلى الملأ وقال لهم: «ما عليكم. قمت وأنا عمر، وأصلحته ورجعت، وأنا عمر».

ما أبعد اليوم عن البارحة، طبعاً مع فارق المقام والزمان. فالطارئون على الحكم، في أيّامنا، غافلون عن جوهر دورهم الملحّ، متناسون مهامهم في خدمة الشأن العام. هم القيّمون المفترضون على مصير الوطن وكيانه ودوره وازدهاره، نراهم غارقين في أنفسهم وصورهم وعنجهيّتهم، ولهم منها محطات وصور، حيث تتجلّى حداثة النعمة في تصرّفاتهم ومواقفهم، وفي تعاملهم، حتّى مع محبّيهم، بازدراء وفوقيّة وطبقية، هذا إذا التقوهم والتزموا مواعيدهم معهم. إنّهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا كانت مناسبة ما قد اختارت لهم كرسياً أو مقعداً في صف ثانٍ أو ثالث.

أمّا في آداب التواصل، فإنّ هناك من السياسيين من يعتبرون أنفسهم محرّرين من التقاليد الاجتماعية، وهم معروفون كوجهي العملة، يظهرون أمام الناس ثقلاء سمجين. فهم لا يعرفون كيف يدخلون البيوت من أبوابها، ويضطجعون في الكراسي فيصافحون الناس وهم جالسون، أو يمدّون أرجلهم في وجوههم. تراهم يضعون النظّارات السوداء على أنوفهم ويوجّهون نظرهم إلى العلاء أو إلى الأمام في حركة من استعلاء الوجه وتقطيب الجبين ووقاحة النظر، كمن ينظر أمامه ولا يرى شيئاً إلّا نفسه، ثم يضعون رجلاً فوق رجل، وتبدو عليهم بعض الحركات العصبية بسبب تصنّعهم بحركات وتصرّفات ليست من طبيعة الحقيقة، ويلبسون وجهاً هو أشبه ما يكون بتلك الوجوه «الكرنفالية « التي تبرز لنا أو تظهر في أعياد البربارة، كمن يريد أن يخفي حقيقته وحقيقة تفكيره وعواطفه. وهناك آخرون لا يجيبون على هواتفهم، ولعلّ من طرائف الطارئين على الحكم الذين يقفلون أبواب مكاتبهم، أو أنّهم إذا أجابوا على هواتفهم يقولون للمتّصل إنّ معاليه أو سعادته ليس على السمع، وأحياناً يكون المجيب هو نفسه معاليه أو سعادته، بعد تمارين جعلته خبيراً في تغيير الصوت.

قليل من التواضع أيّها السادة «الكبار» فالشعب يكبر بتواضعكم، وتنازلكم له لا يقوّيه وحده فحسب بل ويقوّيكم أيضاً. يعطيكم الدفع الخلّاق، يحفّزكم ويحضّكم على اجتراح الحلول. يعزّز فيكم حاسّة السمع ونعمة الاستماع، يعفيكم من النظارات فترون بصورة أوضح كلّ المشاكل التي يعاني منها الوطن والمواطن، وكلّ المصائب التي خلّفتها الحرب وأزمات ما قبل الحرب وما بعدها. تنازلوا ليعود التواصل بينكم وبين الناس العاديّين والمثقّفين. تنازلوا لأنّ ما يقوله الناس، سرّاً وعلانية، لا يليق بكم. فهم فقدوا احترامهم لكم، ولم يعودوا يكترثون لأخباركم وثرواتكم، ولا يقفون على جانبي الطريق انتظاراً لمواكبكم المتخفية أصلاً لدواعٍ أمنيّة أو رفضاً لرؤيتكم. إنّ ما يسري على بعض كبار السياسيين بات معدياً لبعض الأقلام والإعلام، حيث غزا مرض التعالي وسادت حالة من الفوقية والسكر بما يعتبرونه وصولاً لم يستطعه الأوائل.

الطارئون في الحكم، يجدر تذكيرهم بما كتبه ذات يوم أحد الحكماء الصينيين حيث قال: «إنّ المحبة والخير المطلق هما كالماء، فالماء يعمل لأجل جميع الكائنات ولا يطلب أيّ شهرة، والماء يقتنع في البقاء في الأماكن المنحدرة التي لا يرتضيها أحد، فعلى الذين يتمثلون بعنصر الماء أن يتواضعوا وأن يكونوا خيّرين مخلصين، منتظمين، ذوي جودة واستبصار، وليجانبوا كلّ مصلحة ذاتية ليصلوا إلى الاطمئنان». ولهم من الإنجيل هاتان الحقيقتان: «أذكر يا إنسان أنّك من التراب وإلى التراب تعود»، «وإذا كان بصرك طاهراً فجسدك أي كيانك كلّه يكون في النور».