مونيب يوسف ومحمد عثمان باتي

الجيش يُتابع التحكّم بانتخابات باكستان

7 شباط 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

من المقرّر أن تشهد باكستان انتخابات في 8 شباط: إنه أحدث استحقاق محوري في تجربة البلد الديموقراطية. لكن يخشى بعض المراقبين أن تؤجّل لجنة الانتخابات في إسلام آباد الاقتراع بسبب تدهور الظروف الأمنية. وحتى لو جرت الانتخابات في موعدها، يشعر عدد كبير من المحلّلين بالقلق من أن يفتقر هذا الاستحقاق إلى الحرّية والنزاهة. تحمل باكستان تاريخاً طويلاً من حالات التدخّل السياسي في العمليات الديموقراطية من جانب جيشها القوي.



لا تنذر الانتخابات المقبلة بترسيخ الاستقرار في أي وقت قريب. تدير حكومة تصريف أعمال باكستان في الوقت الراهن، وهي تواجه كمّاً هائلاً من التهديدات السياسية، والاقتصادية، والأمنية. في غضون ذلك، يقبع عمران خان، زعيم المعارضة ورئيس الوزراء السابق الذي يحظى بشعبية واسعة، داخل السجن بعد إدانته بتُهَم الفساد وإفشاء أسرار الدولة. في 8 شباط، تراهن المؤسسة العسكرية على زعيم أسقطته منذ فترة غير طويلة: إنه رئيس الوزراء السابق نواز شريف الذي قاد شقيقه شهباز أحدث حكومة ائتلافية.

وبما أن العلاقات بين الأوساط المدنية والعسكرية في باكستان ترجح لصالح الجيش، يتشجّع السياسيون دوماً على الانحياز إلى الجنرالات للوصول إلى السلطة. هذا الوضع أضعف الدستور، والسلك القضائي، والانتخابات الديموقراطية. لم يعد الجيش يتدخل في السياسة عبر تنظيم الانقلابات، بل يفضّل قادته الاستثمار في النظام السياسي. تحوّلت باكستان إلى نظام هجين تتداخل فيه عناصر الديموقراطية الانتخابية والتأثير العسكري. ستكون الانتخابات المقبلة مجرّد فصل جديد من هذا الحُكم الهجين.

في العام 2017، أقالت المحكمة العليا في باكستان شريف من منصب رئيس الوزراء بعد ربط عائلته بشركات خارجية، كما ذكرت «وثائق بنما» المسرّبة. ثمّ اعتُبر غير مؤهل لاستلام منصب عام. كذلك، حاول شريف أن يرسّخ تفوّق السلطة المدنية على الجيش، وتتعدد المزاعم القوية التي تشير إلى دور الجيش في إسقاطه وفي انتخاب خان في العام 2018. لكن عندما خسر خان امتيازاته لاحقاً، سُمِح لشريف بالعودة إلى باكستان في السنة الماضية وسقطت القضايا المرفوعة ضده، ما سمح له بالمشاركة في الانتخابات. يوحي هذا الوضع بأن الجيش قد لا يعارض عودته إلى رئاسة الحكومة.

يعتبر عدد كبير من المراقبين وصول خان إلى السلطة في العام 2018 نتيجة خطة انتخابية من تنظيم المؤسسة العسكرية. خلال فترة معيّنة، بدا وكأن علاقة متبادلة المنافع تجمع بين خان والجيش. لكن ارتكب خان سلسلة من الأخطاء في المجالات السياسية التي يسيطر عليها الجيش، فدعم في المقام الأول مسؤولاً يفتقر إلى الخبرة لتولي منصب رئيس وزراء مقاطعة البنجاب، ما أثار استياء قائد الجيش الباكستاني حينها، قمر جاويد باجوا. ثمّ زاد قلق الجيش من أدائه حين اختلف مع باجوا في العام 2021 في شأن قرار استبدال مدير عام جهاز الاستخبارات الباكستاني.

تعهد خان بإنشاء «باكستان جديدة» وتنفيذ إصلاحات جارفة، لكنه فشل في تحقيق معظم هذه الوعود خلال السنوات الأربع التي أمضاها في السلطة. كذلك، أصبحت قيادة خان أكثر ضعفاً من أي وقت مضى بسبب التقلبات الاقتصادية المتزايدة ولامبالاة عدد من أقرب حلفاء البلد بالحكومة التي ترأسها «حركة الإنصاف الباكستانية». وفي نيسان 2022، قام الحرس القديم بقيادة «الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز» و»حزب الشعب الباكستاني» بحجب الثقة عن خان، فأسقطه التصويت وحُكِم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات في شهر آب الماضي، بعد إدانته ببيع هدايا مخصصة للحكومة بطريقة غير شرعية. يزعم خان من جهته أن الجيش هو الذي دبّر إسقاطه بهذه الطريقة.

لطالما تحرّكت النُخَب السياسية الباكستانية لتحقيق مصالحها الخاصة، فتقبّلت سيطرة الجيش على النظام الديموقراطي. حاولت الأحزاب السياسية في باكستان أن ترسّخ هيمنة السلطة المدنية لكنها فشلت في الحفاظ عليها. سعى شريف، حين كان رئيس الوزراء خلال التسعينات، إلى فرض سيطرته على مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش. لكن قاد الجنرال برويز مشرف انقلاباً عسكرياً ضد حكومته في العام 1999 وأصبح رئيس البلد في العام 2001. اعتبر الكثيرون الصراع القائم بين باكستان والهند في تلال «كارجيل» السبب الحقيقي وراء ذلك الانقلاب، لكن يتجاهل هذا التحليل تأثير مساعي شريف لفرض السيطرة المدنية.

عمد مشرف إلى إطالة مدة نفي شريف في المرة الأولى وفترة النفي الذي اختارته زعيمة المعارضة السابقة بنازير بوتو، ما أدى إلى تغيير معالم الأحزاب السياسية في باكستان. في النهاية، زاد التقارب بين «الرابطة الإسلامية الباكستانية – نواز» و»حزب الشعب الباكستاني» اللذين كانا بمصاف الخصوم سابقاً، لا سيما بعد الخلاف الذي نشأ بين السلك القضائي ومشرف بسبب قرار هذا الأخير بتعليق عمل رئيس القضاة في باكستان. في العام 2006، وافقت «الرابطة الإسلامية الباكستانية – نواز» و»حزب الشعب الباكستاني» على «ميثاق الديموقراطية»، وهو تطوّر غير مسبوق كان يهدف إلى الحد من دور الجيش في السياسة. وفي العام 2008، شكّل هذان الحزبان حكومة ائتلافية قصيرة الأمد لإبعاد الجيش وأعوانه عن السياسة.

فازت «الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز» بقيادة شريف بغالبية بسيطة في انتخابات العام 2013، وشهدت باكستان حينها أول عملية سلمية لنقل السلطة. لكن لم تتقبّل المؤسسة العسكرية تنامي نفوذ شريف. في العام 2014، ساعد الجيش خان على إطلاق احتجاجات حاشدة ضد الحكومة، ودعمت شخصيات دينية بارزة وعدد من رجال الدين تلك التحركات وشاركوا فيها. لكن أوقف خان الحركة الاحتجاجية التي امتدت على أربعة أشهر غداة الهجوم الإرهابي الذي استهدف مدرسة بيشاور العسكرية العامة وأسفر عن مقتل 149 شخصاً، فقال في تلك المرحلة: «باكستان لا تستطيع تحمّل كلفة معارضتنا في هذه الأوقات العصيبة».

على صعيد آخر، انعكس الوضع الأمني على نهاية ولاية خان في العام 2022. بعد إقالته، استلم ائتلاف مؤلف من أحزاب سياسية تقليدية بقيادة «الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز» السلطة، وأصبح شهباز شريف رئيس الحكومة. كانت هذه الحكومة تحتاج إلى دعم الجيش لتحقيق النجاح. لكن بدل السعي إلى ترسيخ الحقوق الديموقراطية، أقدمت حكومة الائتلاف على تعديل قانون الأسرار الرسمية الباكستاني لمنح صلاحيات متزايدة إلى الجيش ووكالات الاستخبارات، وتنفيذ المداهمات، واعتقال المدنيين. في الوقت نفسه، يجرّم قانون الجيش الباكستاني الصادر في العام 2023 انتقاد الجيش، لا سيما من جانب العسكريين المتقاعدين. في غضون ذلك، أصبح رئيس هيئة أركان الجيش عاصم منير، عضواً في مجلس جديد يهدف إلى جمع الاستثمارات الخارجية وتعزيز النمو الاقتصادي.

يبدو أن الصلاحيات الواسعة التي يملكها الجيش الباكستاني في الوقت الراهن تُحوّل الدولة إلى ما اعتبرته المحللة عائشة صديقة نظاماً هجيناً من الأحكام العرفية، حيث تتركّز كلّ الصلاحيات الحقيقية بيد الجيش، بينما تبقى الحكومة المدنية مجرّد شريكة صغيرة في الحُكم. ويبدو أن السلك القضائي يرضخ اليوم لسلطة المؤسسة العسكرية أيضاً، فقد قامت المحكمة العليا في إسلام آباد حديثاً بتبرئة شريف من قضية فساد وسمحت له في نهاية المطاف بالمشاركة في الانتخابات. أمّا خان الذي يقبع في السجن حتى الآن، فهو لا يزال يواجه مجموعة من التُهَم ولم يُسمَح لمناصريه بإبرام اتفاقات سياسية أو عقد اجتماعات قبيل الانتخابات. يبدو أن الاحتجاجات الحاشدة ضد اعتقال خان في شهر أيار الماضي أرعبت المؤسسة العسكرية.