عيسى مخلوف

إنقاذ البحث العلمي إنقاذاً للتاريخ

4 دقائق للقراءة

تتراجع في العالم، أكثر فأكثر، حرّية البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، لدرجة أنّ العمل في هذا المجال يعرّض صاحبه للخطر. فهناك الكثير من البحّاثة جرت محاكمتهم انطلاقاً من اتهامات غير مبرّرة، ومن هؤلاء الباحثة الفرنسيّة الإيرانيّة في "معهد العلوم السياسيّة" في باريس فاريبا عدلخاه التي اعتقلتها السلطات الإيرانيّة في حزيران 2019، بتهمة التجسّس و"التآمر ضدّ الأمن القومي". ثمّ، في وقت لاحق، أسقطت عنها طهران تهمة التجسّس التي وُجّهت إليها، لكن بقيت تلاحقها اتهامات أخرى. وفي أيّار الماضي، أصدرت محكمة إيرانية بحقّها حكماً بالسجن لمدّة خمس سنوات، وهي ليست الباحثة المعتقلة الوحيدة في إيران.

ملاحقة البحّاثة لا تتوقف فقط على إيران بل تطول أيضاً دولاً عدّة منها الولايات المتّحدة الأميركية وتركيا وروسيا والصين وإسرائيل، وكذلك مصر حيث قتل، العام 2016، الباحث الإيطالي في جامعة كمبريدج جيوليو ريجيني بعد اعتقاله وتعذيبه، وكان يقوم بدراسة ميدانية حول النقابات في مصر. ما حدث مع هذا الأكاديمي يمكن أن يحدث مع علماء أنتروبولوجيا وإتنولوجيا واجتماع، وكذلك مع بعض الإعلاميين، لأنّ الدول بشكل عامّ، وخصوصاً الدول الاستبدادية، تقف ضدّ الكشف عن حقيقة الوضع القائم فيها، وضدّ الذين يشيرون، من قريب أو من بعيد، إلى مسائل التحرّر واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والديموقراطية. هناك أنظمة لا تشكّل هذه المفردات جزءاً من قاموسها، ولا تريد، بأيّ حال من الأحوال، أن يتطرّق إليها أحد، فهي، بالنسبة إليها، من المحرّمات.

هذا ما عرَّض أيضاً عالم الاجتماع الفرنسي ميشال سورا للخطر حين تناول في كتاباته، بطريقة علميّة تحليليّة، المشهد السوري ونبش أصول العنف الممَنهج الذي يمارَس في الشرق الأوسط. لقد خُطف سورا إثر وصوله من باريس إلى بيروت العام 1985، وانطفأ صوته في العام 1986 عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاماً. كذلك الأمر بالنسبة إلى عدد من البحّاثة الذين سعوا إلى دراسة الوضع في رواندا بعد الإبادة الجماعيّة التي حدثت فيها. وهذا ما يؤكّد أنّ حماية الأكاديميين الميدانيين ليست بالأمر السهل لا سيّما في دول ومناطق يسود فيها الاستبداد والعنف. ولم ينفع كثيراً النداء الذي أطلقته أكثر من عشرين جامعة في العالم لحماية العاملين في مجال الدراسات والبحوث مع تزايد المخاطر المحدقة بهم.

يضاف إلى ذلك، تهميش العلوم الإنسانية والاجتماعية في كلّ مكان، وتخفيض ميزانياتها وفق خطاب محكوم باعتبارات اقتصادية وسياسيّة تنحصر في المردوديّة المادّية، وأيضاً في الحدّ من سلطة النقد والمساءلة، ولذلك فهي ترى أنّ الاستثمار فيها مسألة خاسرة.

في هذا السياق، حاولت الحكومة الفرنسية منذ سنوات إعادة النظر في الإمكانات المتاحة لتفعيل "المركز الوطني للبحوث العلمية"، ممّا كان له وقع الزلزال في الوسط العلمي ودفع إلى تحرّكات واسعة قام بها الألوف من الأكاديميين والبحّاثة الذين ذكّروا بأهمية هذا المركز العلمي الذي منح ميداليته الذهبية لعدد من الأعلام المعروفين على المستوى العالمي، ومنهم عالم الأنتروبولوجيا كلود ليفي ستروس والمؤرّخة كريستيان ديروش نوبلكور وعالم الاجتماع بيار بورديو.

هناك أيضاً اليابان التي دعت إلى إلغاء أقسام العلوم الإنسانية من جامعاتها أو تحويل هذه الأقسام في اتجاهات أخرى "تخدم المجتمع بصورة أفضل"، على حدّ تعبير وزير التعليم. هذا الموقف من العلوم الإنسانيّة الذي ينتشر اليوم في الكثير من الدول، شرقاً وغرباً، يشكّل اعتداء على إحدى الأدوات المعرفية الأساسية في ترسيخ الديموقراطية والحسّ النقدي والنظرة الموضوعية إلى المجتمعات وبلورة الفعل السياسي نفسه، وهذا ما يحيل إلى الدول الديكتاتورية التي تطالب بالاستسلام الكامل لرؤيتها الواحدة المُطلَقة، مع إلغاء الحاجة إلى العقل والتفكير والنقد.

تكشف ملاحقة البحّاثة الميدانيّين، وتصفية بعضهم جسدياً، عن مساعي عدد من الدول إلى تهميش الدور المنوط بهم، بل تهديد وجود العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بالكامل، وهذه العلوم لا تستقيم أصلاً من دون بحث ميداني، فضلاً عن أنّ الاستمرار فيها ضرورة لمعرفة أحوال الماضي والحاضر. الباحثة والأكاديميّة الفرنسيّة الإيرانيّة فاريبا عدلخاه صرّحت من داخل السجن قائلة "إنّه ينبغي إنقاذ البحث العلمي لإنقاذ التاريخ".