يقدّم فيلم Rustin للمخرج جورج وولف وجهة نظر فريدة من نوعها عن مسيرة الحقوق المدنية إلى واشنطن في العام 1963. يحمل هذا الحدث التاريخي ذكريات عن خطاب «عندي حلم» الشهير لمارتن لوثر كينغ، ويوثّق الفيلم الجديد حياة واحد من أبرز المسؤولين عن إطلاق تلك المسيرة: إنه بايارد راستن الذي يجسّد دوره الممثل كولمان دومينغو في هذا الوثائقي. كان راستن يتصدّى لقوى ثقافة اللامبالاة والعدائية التي استهدفت انتماءه إلى العرق الأسود، لكنّه اضطر أيضاً للتعامل مع مظاهر العداء الاجتماعي بسبب مثليّته الجنسية. يهدف الفيلم إلى تكريم راستن وكشف جذور الحركة الاجتماعية التي أطلقت أحد أهم الأحداث في تاريخ الولايات المتحدة.
يؤكد الوثائقي في بدايته على عدم شرعية الفصل العنصري ثم يعرض مونتاجاً بطيء الحركة لفصولٍ يسهل التعرّف عليها من تلك الحقبة: تظهر روبي بريدجس برفقة حرّاس أمامها ووراءها وهي تدخل إلى المدرسة في العام 1960، باعتبارها أول طالبة سوداء في مدارس لويزيانا. وتظهر إليزابيث إيكفورد وهي تتعرّض للمضايقات أثناء توجّهها إلى الصف في العام 1957، وسط زملائها الحاقدين. سنشاهد أيضاً آن مودي التي تحافظ على تماسكها خلال اعتصامها في أحد المطاعم، في العام 1963، فيما راح أشخاص بيض من داخل المطعم يرمون عليها الطعام. إنه مونتاج ميلودرامي، وهو يُستعمل كدليل بسيط على انتشار مظاهر العنصرية خارج نطاق التشريعات. قد تكون هذه اللحظات التاريخية أساسية، لكنّ إضافتها بهذا الأسلوب المألوف تبدو سطحية بقدر الفيلم ككل.
يعرض الوثائقي عبارات مألوفة لكنه أكثر براعة في تفصيل الأحداث التي مهّدت لإطلاق تلك المسيرة الشهيرة وتسليط الضوء على بطلها كشخص بحدّ ذاته. كان دومينغو قد تعاون مع وولف في فيلم Ma Rainey’s Black Bottom (القاع الأسود في حياة ما ريني) في العام 2020، وهو يقدم أداءً ممتازاً بدور «راستن». هو يتمتّع بكاريزما قوية وذكاء فائق ويصبح حازماً عند الحاجة. شارك داستن لانس بلاك وجوليان بريس في كتابة السيناريو، وهما يضفيان طابعاً حذقاً على الحوارات، ويقدم دومينغو اللحظات الفكاهية بشكلٍ مثالي. تتعدّد المشاهد المضحكة التي تُستعمل لتغيير أجواء العمل بعد اللحظات المؤثرة، لكن تتفوق العبارات الكوميدية على التأثيرات العاطفية بأشواط للأسف. بعبارة أخرى، يتعثر الفيلم حيث تنجح الفكاهة.
تُعتبر صداقة «راستن» مع «مارتن لوثر كينغ جونيور» (أمل أمين) جزءاً محورياً من القصة، وتحتلّ علاقته العاطفية المتقطعة مع ناشط أصغر منه اسمه «توم» (غاس هالبر) الأهمية نفسها. ثمة كيمياء ممتازة بين دومينغو وهذين الرجلَين، وهي تسمح لكلّ شخصية بفرض نفسها بشكلٍ مستقل وكشف ترابطها مع الشخصيات الأخرى. كذلك، تُعتبر علاقته الناشئة مع «إلياس تايلور» (جوني رامي)، قسّ خيالي في مجلس إدارة «الجمعية الوطنية للنهوض بالملوّنين»، جزءاً من الروابط المؤثرة الأخرى في مسيرة «راستن» العاطفية. لا يتعامل صانعو العمل مع «راستن» كناشط بكل بساطة، انطلاقاً من السطور الواردة في سيرته الذاتية، بل كرجل له صداقات مؤثرة، ومشاعر مجروحة، وسحر فائق. لكن غالباً ما تتّخذ الأحداث منحىً ميلودرامياً مفرطاً، فيتنقل السيناريو من حالة إلى أخرى من دون تمهيد مسبق.
حين يروي «راستن» المصاعب التي واجهها لتوحيد مئة ألف شخص أسود وإيصالهم إلى نصب لينكولن التذكاري للمشاركة في أكبر احتجاج سلمي في تاريخ الحركة، سنحصل على نظرة جانبية عن الشخصيات والعوامل التي أثّرت على تلك الأحداث. بدءاً برفض «الجمعية الوطنية للنهوض بالملوّنين» هذه الفكرة في البداية (يؤدي كريس روك دور سكرتيرها التنفيذي «روي ويلكينز»)، وصولاً إلى الدعم الثابت الذي حصل عليه «راستن» من «آسا فيليب راندولف» (غلين تورمان)، يوثّق الفيلم تفاصيل تلك المعركة المصيرية التي لم تنشأ ضد المنظمات فحسب، بل ضد مقاربات مختلفة داخل الحركة ووحدة الصف بين أوائل أتباع الناشط مالكوم إكس (لم يتأسس حزب «الفهود السود» رسمياً قبل العام 1966).
يهدف هذا الوثائقي بكل وضوح إلى تكريم شخصيته الرئيسية، لكنه يشبه أساليب السرد التعليمية بدل أن يعرض قصة مُلهِمة ومؤثرة بسبب طريقة تعامله التقليدية مع الحبكة وتخبّط الأولويات السردية على مر الأحداث. حرص صانعو العمل على إبراز دور «راستن» في المقام الأول، لكنهم أهملوا سياق الأحداث. تتمحور الرسالة الأساسية حول انتشار مظاهر العنصرية خارج صفحات الكتب، لكن يعرض الفيلم هذه الحقيقة البديهية وكأنها إنجاز لا مثيل له.