يلجأ عدد كبير من الناس في هذا العصر إلى تطبيقات المواعدة في مرحلة من حياتهم. يعرف الجميع إجراءات التسجّل في المواقع. بعد إنشاء حساب جديد، يجيب المستخدم على مجموعة من الأسئلة حول خياراته المفضلة، ثم يتلقى قائمة بالمرشحين المحتملين إلى أن يجد شخصاً مطابقاً لمواصفاته. في أفضل الأحوال، يطوّر المستخدم علاقته مع الشخص الموجود على الطرف الآخر من الشاشة. هذا ما حصل مع «ديف كروبا»، بطل الوثائقي الجديد Lover, Stalker, Killer (عشق، ومطاردة، وقتل) على شبكة «نتفلكس». ظنّ «ديف» في مرحلة معيّنة من حياته أنه وجد المرأة التي يحلم بها، لكنه ما كان ليتوقع الكارثة التي تنتظره.
انتقل «ديف» للعيش بالقرب من شريكته السابقة «إيمي» بعد الانفصال عنها للبقاء على مسافة قريبة من أولادهما. وبما أنه كان جديداً في البلدة، استعمل تطبيقاً شهيراً للمواعدة في العام 2012 على أمل أن يعيش علاقة جديدة. سرعان ما قابل «ليز غوليار» التي تملك متجراً لتنظيف الملابس. يتذكر «ديف» أن أول موعد غرامي بينهما كان ناجحاً. كان كلاهما يشعر بالوحدة، فاستمتعا بتمضية الوقت معاً. لكن لطالما أكد لها «ديف» رغبته في إقامة علاقة غير رسمية لأنه لا يبحث عن علاقات جدّية.
قابل «ديف» في الوقت نفسه «كاري فارفير» التي جاءت إلى متجر تصليح السيارات الذي يعمل فيه لإصلاح سيارتها. انجذب إليها «ديف» فوراً. بعد مرور بضعة أسابيع، انصدم «ديف» حين وجد «كاري» على تطبيق المواعدة الذي يستعمله، فتواصل معها ونظّم موعداً لمقابلتها. لكن وقعت حادثة غريبة حين دعا «كاري» إلى شقته بعد الموعد. ظهرت «ليز» فجأةً وطلبت من «ديف» أن يسمح لها بأخذ أغراضها من الشقة. هكذا التقت المرأتان اللتان يواعدهما «ديف» لكنهما لم تتبادلا الكلام. ثم تقرّب «ديف» و»كاري» من بعضهما وأمضيا ليالٍ كثيرة معاً. لكن حين غادر «ديف» الشقة إلى عمله في صباح أحد الأيام، كتبت له «كاري» رسالة نصية تطلب فيها أن ينتقلا للعيش معاً. كان هذا الطلب غريباً لأنهما اتفقا على عدم إعطاء طابع رسمي لعلاقتهما. سرعان ما اتخذ الوضع منحىً مريعاً حين رفض «ديف» ذلك الطلب.
بدأ «ديف» يتلقى عدداً هائلاً من الرسائل النصية المليئة بالتهديدات من «كاري»، وراحت هذه الأخيرة تطارده. ثم بدأت «كاري» تُهدد «ليز»، شريكة «ديف» السابقة، وأولادهما. لكن تلقّت والدة «كاري» خلال هذه الفترة رسائل قصيرة ومفاجئة من ابنتها، حيث تزعم هذه الأخيرة أنها غادرت البلدة لاستلام وظيفة براتب مرتفع، حتى أنها تخلّت عن ابنها. بعد مرور فترة من الزمن، قدّمت والدة «كاري» بلاغاً عن اختفائها. هي لم تقابل ابنتها منذ أشهر وقد بدأت تشكّ بظروف اختفائها.
يكشف هذا الوثائقي تفاصيل المطاردة المشينة التي تعرّض لها «ديف» عبر مجموعة متنوعة من الصور، ولقطات الفيديو، ومقابلات مع مسؤولين من وكالات إنفاذ القانون وأفراد من عائلته كانوا على صلة بهذه القضية. لكن يروي «ديف» قصته بنفسه في معظم الأوقات. منذ البداية، سنشاهد التحريين الحقيقيين الذين استلموا تلك القضية. هم يتكلمون باقتضاب عن تعقيدات القضية، ويقول نائب رئيس قسم التحقيقات في أحد المشاهد: «من بين جميع القضايا التي استلمتُها، تبقى هذه القضية الأكثر غرابة وانحرافاً». يسهل أن يجذب الوثائقي انتباه المشاهدين حتى النهاية. تبدو الأحداث المتلاحقة مريبة لدرجة ألا نصدّق أن المسلسل مقتبس من قصة حقيقية.
قد يتوقع كل من اعتاد على مشاهدة المسلسلات الوثائقية المرتبطة بالجرائم التحولات الصادمة في الأحداث، مع أن الاطلاع على هذا النوع من الأعمال لا يُخفف قوة القصة والتفاصيل المحيطة بالقضية. حين نظن أن الأحداث لا يمكن أن تتخذ منحىً جنونياً إضافياً، تتلاحق التطورات الصادمة مجدداً. واجه المحققون الذين استلموا هذه القضية عوائق كبرى أثناء تحقيقاتهم، لكن من المدهش أن نشاهد الجهود التي بذلوها للقيام بعملهم على أكمل وجه ونطّلع على مسار حل الجرائم ومراحل جمع الأدلة وصولاً إلى اكتشاف حقيقة ما حصل.
لا يشمل الوثائقي أي جوانب منمّقة لتجميل الواقع. «ديف» رجل عادي تواصل مع امرأة غير مناسبة في أسوأ ظروف ممكنة. هذا الوضع أدى إلى نتيجة لا يمكن تصورها. لكن يسهل أن يفترض المشاهدون كمّ الأحداث المأسوية التي أثّرت على حياته وشعور الذنب الذي يحمله. يسترجع بطل القصة قوة إرادته في نهاية المسلسل، لكنّ هذه النهاية لا تغيّر الألم المرافق لخسارة حياة الناس. قد يقبع المذنب وراء القضبان، لكن لن تسترجع الضحية حياتها، لذا تبقى مشاهدة هذه القصة تجربة حزينة.
قد لا يسارع جميع المشاهدين إلى إلغاء حساباتهم على تطبيقات المواعدة فور مشاهدتهم للمسلسل، لكن يبقى الوثائقي قوياً ومؤثراً لدرجة أن يدفع الناس إلى التفكير ملياً بمخاطر التعارف عبر الإنترنت. يكثر الأشخاص الصادقون في عالم المواعدة الإلكترونية وتتعدد العلاقات الناجحة عبر هذه التطبيقات، لكن تكثر المخاطر المطروحة أيضاً. يثبت هذا الوثائقي أن المنصات التي يستعملها الناس من وراء الشاشات قد تكون بعيدة كل البعد عن العالم الواقعي.