لا يغيب عن بال أحد أن وتيرة النمو عالمياً الى تراجع وذلك يعود إلى أسباب عدة على رأسها أزمة العلاقات التجارية ما بين أميركا والصين وانعكاسها على سوق الإستهلاك وقطاع التكنولوجيا، بالإضافة إلى الغموض الذي ما زال يلف مسألة خروج بريطانيا من أوروبا وليس آخرها إضطراب أسواق النفط بسبب الصراع الدائر مع إيران. لهذه الأسباب خفّض صندوق النقد توقعاته للنمو العالمي إلى 3.2%. أما التوقعات للنمو في لبنان فهي صفر بالمئة! بمعنى آخر، لا يخلق الإقتصاد اللبناني أي قيمة مضافة، أو أي ثروة. في الأمر صدمة صحيح لكن لا مفاجأة، فمحركات النمو الأربعة متوقفة.
أولاً التصدير، تراجعت الصادرات في لبنان إلى ملياري دولار بعدما كانت بلغت ذروتها العام 2012 وتجاوزت الـ 4 مليارات دولار. لا شك أن الأزمة في سوريا وإغلاق المعابر كان لهما أثر كبير على تدهور هذا القطاع وتداعياته على ميزان المدفوعات. ولكن أمام هذا الواقع لم نرَ من قبل الفريق الحكومي، واستطراداً في الموازنة أي خطوة في اتجاه تحفيز التصدير، والأفكار والمقترحات في هذا المجال عديدة ليس آخرها مبادرة تحفيز التجارة الإلكترونية (راجع موضوع التجارة الالكترونية في الصفحة نفسها).
ثانياً الإستهلاك، وهذا القطاع يشكل أينما كان قاطرة لنمو الإقتصاد الوطني، ولكنه اليوم في لبنان يرزح تحت وطأة الضرائب والرسوم الإضافية التي حملتها موازنتا 2018 و2019 . فرفع الضريبة على القيمة المضافة العام الماضي لم يترجم لا زيادة في الواردات ولا تقليصاً في العجز إنما على العكس تماماً ، تسبب بكبح النمو وانحسار القدرة الشرائية لدى المواطنين.
ثالثاً الإستثمار، كيف لهذا القطاع أن ينتعش في ظل أسعار الفائدة المجنونة التي اخترقت كل السقوف، وهذا ليس سوى النتيجة الحتمية لانتفاخ القطاع العام الذي بات يشكل 35% من الناتج المحلي، واتساع عجز الخزينة وغياب الإصلاح. وليس سراً أن ارتفاع أسعار الفائدة دفع الكثير من المؤسسات إلى إقفال ابوابها وهو يهدد اليوم قطاعات بكاملها بالإنهيار وبعضها بدأ يجاهر بضرورة جدولة ديونه لدى المصارف.
رابعاً الإنفاق العام، وإنعاشه اليوم من رابع المستحيلات. يكفي النظر إلى هيكلة الموازنة وقد التهمتها الرواتب وخدمة الدين وعجز قطاع الكهرباء والنفقات الجارية ولم يعد هناك أدنى حيز للإنفاق الإستثماري. الدولة فقدت منذ زمن، وبسبب سوء إدارتها، أدواتها الإستثمارية ورافعات تأثيرها على الإقتصاد. لهذه الأسباب مجتمعة لم يكن من خيار سوى سيدر، أي إنفاق إستثماري يمول من الخارج.
ولكن أموال سيدر مشروطة بإصلاحات، وفي نظام المحاصصة، الإصلاحات الهيكلية شبه مستحيلة، والإصلاحات الطفيفة بانتظار حكومة تعود إلى العمل وتستوعب أنها في وضع صفر...نمو.