هم الجيل الذي شهد على أبشع المجازر بحقّ أحلامه. رأوها بأمّ العين تُقتل أمامهم، حتى بات كلّ شيء رماداً. يدفعونهم للسير بلا وجهة، بلا هدف، خلف عمر ضائع أقصي الغد منه، وكأنّ الكون بأسره يحاربهم. فبعدما كانت طموحاتهم تسابق الضوء، وأحلامهم عابرة للزمن، باتت قلوبهم اليوم لا تنبض إلا بالغضب والثورة، والجموح نحو صناعة القدر باليد. شباب لبنان اليوم، بين خيار الاستسلام للخيبات المتتالية، وبين محاولة هدم الواقع وإعادة بناء استراتيجية جديدة للحلم.
| إيليو جبرا: ننتظر أعجوبة كي نستعيد بعض الأمل يضع إيليو جبرا مصطلحي الأموال والأحلام في الخانة ذاتها اليوم، من حيث أنّ السلطة نهبتهما وبات من الصعب جداً استرجاعهما. ويقول: "إذا بقي حكّامنا متمسّكين بأحلامهم وأحلام أولادهم على حساب أحلامنا، فلا يمكن لنا أبداً أن نستعيدها". إيليو أمضى ستّ سنوات في الغربة حيث درس الطب، وكان يحلم في فترة سابقة أن يعود الى لبنان ويؤسّس مستقبله هُنا ويساعد مجتمعه كطبيب، "ليس بهدف العمل، إنما بهدف المساعدة وتقديم العلاجات والمعاينات للفقراء من دون بدل مادي". ويشير الى أنّ هذه الأحلام أصبحت مستبعدة اليوم، حيث يشعر أن لا شيء مضموناً في هذا البلد، حتى وظيفته قد يخسرها غداً إذا ما تقرر إقفال المستشفى الذي يعمل فيه. ويضيف: "نحن درسنا وتعبنا ولا نزال نحاول تطوير معرفتنا وثقافتنا، لكن كل هذا التعب بيع بثمن رخيص. واليوم ننتظر حدوث أعجوبة كي نستعيد بعض الأمل. ورغم أني حتى اللحظة لم أستسلم، لكنّ الاستسلام يقف على الباب". ويعتبر أنّ "أقصى الأحلام اليوم هو أن يكفينا الشمع إذا نفد المازوت، وأن نؤمّن الطعام لأسرتنا. وبالتالي، نحن اليوم لم نعد نحلم، بل بتنا نعيش كل يوم بيومه". وعن الهجرة، يشير إيليو الى أنه كان في السابق من المعارضين لها، لكن عندما يتواجد الفرد في وطن لا يقدّر تعبه وجهده، ولا يقدّر الانسان وحقوقه ورأيه، تصبح الهجرة هي الحلّ. وتابع: "وصلنا الى القعر، ونحن ننازع كثيراً كي نخرج منه. والموضوع يحتاج الى سنوات كثيرة كي يعود البلد الى ما كان عليه. وأنا شخصياً لم أعد مستعداً أن أضيّع سنوات شبابي في بلد مثل لبنان. فهذا البلد توفى وتوفّت الأحلام فيه، وحان الوقت كي أذهب الى وطن آخر أعيش فيه وأستعيد أحلامي". |
|
| حائرة سليم:
أحلامنا تبدّلت بعد انتفاضة 17 تشرين من منزلها في الجنوب، انتقلت حائرة سليم للمشاركة في الثورة في ساحة النور في طرابلس، حيث كانت تساعد أحد الأصدقاء في مبادرته البسيطة لتقديم الطعام للناس. خلال هذه الفترة لاحظت أنّ الأحلام التي كانت تنام وتصحو عليها تبدّلت بعد 17 تشرين. شاهدت بأمّ عينها تجارب أشخاص عانوا الأسوأ في هذا البلد. استمعت الى شكواهم عن حسرة العمر الذي قضوه وهم يحفرون في الأرض كي يجدوا كنزاً ينصف أحلامهم، حتى أيقنوا أنها انهزمت. أحسّت بالمسؤولية تجاه أحلام غيرها، لا سيما الأحلام البسيطة مثل حلم الفتى أحمد بشراء دراجة، وحلم شاب آخر بأن يبيع صندوق المياه في آخر النهار... تشير حائرة الى أن هذه الأحلام تعكس تعاسة النظام والمنظومة كلها، وتقول: «هي أحلام تشعرنا بالخجل، حتى نجد أنفسنا وقد تراجعنا عن أحلامنا الكبيرة من أجل هؤلاء الأشخاص، حيث أيقنّا أنّ الثورة أمل». وتابعت: «نحن نخضع لهاجس الوقت الذي يرافقنا وكأننا حدّدنا مسبقاً تاريخ وفاتنا، ثم ركضنا كي نلحق التزاماتنا تجاه أنفسنا، كي نبرهن أننا جديرون بهذا الوقت وأنّ ساعات عمرنا لن تذهب هباء. لكن في المقابل علينا الاعتراف بأنّ الظروف قد تتغلّب علينا أحياناً، وأن نتقبّل الانحراف قليلاً عن المسار الذي كنا قد رسمناه لأنفسنا». وعن الهجرة، تصفها حائرة بأنها رغبة في الهروب من مستنقع هذا الوطن. وفي حين أنها لا تعتبرها حلاً، ترى أنها بديل عن خوض المعركة في وجه «ميليشيات الحرب والسلم»، وفقاً لتعبيرها. وأضافت: «قبل 17 تشرين كان هناك نوع من الاستسلام، وهذا الاستسلام هو سلاح السلطة كي تبعدنا عن المطالبة بحقوقنا. حينها كان الشباب يموتون في عرض البحر بسبب الهجرة غير الشرعية وخصوصاً شباب طرابلس والشمال الذي يحميه أزلام السلطة من سماسرة الأموال والجشع. وبالتالي أي مواجهة اليوم هي مكسب لنا. علينا أن نموت في الشارع إذا كان لا بدّ من ذلك، لكن لو اضطرّ الأمر، قد نسرق طياراتهم الخاصة لنهاجر على متنها الى بلاد أخرى!». |
|
| جمال جعفر: فقدنا ثقافة الحلم... ويوجعنا هذا السقوط الذي لا ينتهي يعتبر جمال جعفر أنه لا يمكن التحدّث عن الحلم من دون التطرّق تلقائياً الى مسألة الوقت. وحين يضيع الوقت الذي لا يمكن استرجاعه، تلقائياً سيضيع الحلم معه. فكيف بالحري حين تضيع معه الطاقة والأموال والبيئة والإنتماء؟ ويتابع قائلاً: «كشاب ثلاثيني، أعتقد أن الوقت لم ينته بعد، لكنه قطع شوطاً كبيراً. أنا اضطررت الى تغيير وجهة نظري في مفهوم الحلم، حتى وجدت نفسي أشطب هذه الفكرة من دون أي مجهود. فلو استمرّيتُ في الحلم، سأخلق حينها معه حفرة يأس يمكن أن أغرق فيها أكثر فأكثر، ومن هنا قد يصبح الحلم موازياً لليأس». وفي السياق، يرى جمال «أنّنا نعيش في وطن فقدنا فيه ثقافة الحلم. ولا يقتصر ذلك على الأزمة الحالية، بل على مجتمع يقيّد طموحاتنا ويمارس العنف الرمزي عليها، وبالتالي نكبر ونحن نحلم أحلام بيئتنا وطائفتنا ومجتمعنا».
وفي حين يعتبر أننا وصلنا اليوم الى خسوف أبدي، يؤكّد أنه إذا أراد أن يكون واقعياً، بالتأكيد لن يحلم من جديد، بل سيحاول أن يخلق لنفسه بيئة صغيرة يصل فيها الى أفضل ما يمكن أن يصل اليه. ويشير الى أنه لا يسمي ذلك استسلاماً، بل عقلانية ونوعاً من التذاكي، حيث يتجنّب الإنسان فيه أن يتعب نفسه من شيء لا جدوى منه. ثم يبتسم جمال ويستطرد: «لكن المهمّ ألا نفقد القدرة على الابتسام والتمتّع بالتفاصيل الصغيرة». ويضيف أنه لا يعتبر أن اليأس هو الزلة في حياته، بل الأمل، موضحاً أنّ هذا لا يعني أنه استسلم، لكنّه يملك قاموساً مختلفاً. ويتابع: «لبنان اليوم في سقوط حرّ، لكن ما يوجعه هو هذا السقوط الذي لن ينتهي وليس لحظة الارتطام، حيث بتنا نعيش في ترقّب دائم كي نصل الى القعر، ولا نصله. ومن هُنا بات الأمل موجعاً أكثر من اليأس». |
|
| جوزف مالك: لا بدّ أن تصغر أحلامنا لتتناسب مع هذا الوضع من جهته، يرى جوزف مالك أنّ حلمه الوحيد اليوم يقتصر على أن «يعيش مرتاحاً». وفي حين كان يتمنى في السابق أن يصبح أستاذاً جامعياً ويعطي دروساً في السينما، بات أكبر أحلامه اليوم أن نخرج من الوضع الذي نحن فيه، مشيراً الى أنه أصبح من الصعب أن يجد أحداً يبتسم حتى، إنما الأغلبية أعلنت استسلامها وبدأت البحث عن طريق للهجرة. ويعتبر جوزف أنّ الحلم لا حدود له، ويمكن للإنسان أن يحلم كما يشاء، لكن تكمن المشكلة في التطبيق، وبخاصة في ظلّ وضعنا الحالي. ويقول: «من هُنا لا بدّ أن تصغر أحلامنا لتتناسب مع هذا الوضع، فبعض العائلات في لبنان لم تعد تحلم بأكثر من الحصول على ربطة خبز. الشعب اللبناني اليوم بأكمله دخل في نفق مظلم يرفضه، لكن ذلك لا يجب أن يدفعنا الى الاستسلام. ولا بدّ من أن نجد طريقة للتخلّص من السواد الذي يلفّ حياتنا، لأنّ اليأس من الوضع الحالي قد يؤدي الى انتحار عدد كبير منا». لكن في المقابل يرى مالك أنّ هذا الضغط سيولد انفجاراً قد يرتاح البلد إثره، وحينها قد نستعيد أنفاسنا. وتابع: «مجتمعنا اليوم بحاجة الى أشخاص يشرحون للآخرين أن خياراتهم بالاقتتال والحرب هي التي أوصلتنا الى ما نحن عليه الآن. كما أننا بحاجة الى أن نخلق أملاً للجيل الجديد، لأنّه الوحيد الذي يملك المقدرة على إحداث التغيير. وقد مرّ على تأسيس لبنان مئة عام، وهذه الأعوام كفيلة كي تؤكّد أنّ هذا البلد يمكن أن يستقيم، وإلا كان «فرط» منذ السنوات العشر الاولى». وفي المقابل، لا يرى جوزف في الهجرة حلاً، إنما الحلّ برأيه يكمن في الثبات في أرضنا ورصّ الصفوف لمواجهة واقعنا الصعب عبر إسقاط كل هذه المنظومة التي تخنقنا، ومحاربة التبعية بالوسائل السلمية ومحاسبة كل من يجب أن تتمّ محاسبته، على أمل أن نصل حينها الى بناء دولة». |
|



