ريتشارد بلومينثال وكريس كونز

طريق السلام يتطلّب تكثيف المشاركة الأميركية بدل تقليصها

15 آذار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

تعليق سيناتورَين على الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة شريكة أساسية في أوكرانيا والشرق الأوسط حتى الآن.


في الشهر الماضي، زرنا قادة مُنتخَبين وعسكريين في الشرق الأوسط وأوكرانيا. قد تبدو هاتان المنطقتان مختلفتَين ظاهرياً، لكن يجمعهما تهديد مشترك: قوة خبيثة ومدمّرة تطرح تهديداً خطراً على الأمن القومي والاستقرار الإقليمي.

في المنطقتَين معاً، تُعتبر التزامات الولايات المتحدة ومشاركتها عوامل ضرورية للحفاظ على الديموقراطيات وإنهاء الصراع المسلّح والفتّاك. كذلك، سيترافق أي فشل في تحقيق هذا الهدف في هاتين المنطقتين مع عواقب مدمّرة لعقود طويلة. لن تتأثر مكانة واشنطن حول العالم فحسب، بل سينعكس الوضع أيضاً على المصالح الأميركية، وحتى حياة الأميركيين في المنطقتَين.

خلال اجتماعاتنا، صدرت تحذيرات قاتمة من رؤساء حكومات، وقادة عسكريين، ووكالات إنسانية، وديبلوماسيين أميركيين وجنود في إسرائيل، ولبنان، والأردن، والعراق، وسلطنة عمان، وأوكرانيا. لم يعد المدنيون الأبرياء في غزة يجدون مكاناً يهربون إليه أو طعاماً لإعالتهم. في الوقت نفسه، بدأت القوات الأوكرانية تكبح استعمال الذخائر على الخطوط الأمامية وتخسر الأراضي لصالح الروس.

شاهدنا وضعاً شائكاً في لبنان أيضاً، حيث رأينا متاجر وحواجز محروقة بعدما حاول مثيرو شغب غاضبون اقتحام سفارتنا، لكن أوقفهم الجيش اللبناني الذي استفاد من التدريبات والمساعدات الأميركية طوال سنوات. في الأردن، قابلنا قادة عسكريين أميركيين وأردنيين كانوا أول من ردوا ميدانياً على الهجوم المريع الذي استهدف قاعدة «البرج 22» وأسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين.

في أوكرانيا والشرق الأوسط معاً، تبقى الولايات المتحدة شريكة أساسية. بدأ الجنود الأوكرانيون يلقون حتفهم ويخسرون الأراضي لأنهم يفتقرون إلى أبسط المعدات لكنهم مضطرون لمتابعة معركتهم.

سبق وشارك تحالف عالمي فيه أكثر من 50 بلداً في دعم جهود الحرب الأوكرانية أكثر من الولايات المتحدة وبنسبة تفوق ميزانياتها الدفاعية أو ناتجها المحلي الإجمالي في معظم الحالات. لا يزال الاتحاد الأوروبي ملتزماً بمعركة أوكرانيا، فقد مرّر في الفترة الأخيرة اتفاقاً لتقديم مساعدات بقيمة 54 مليار دولار لصالح أوكرانيا. لكن لا تستطيع أوكرانيا أن تردّ في ساحة المعركة وتنتصر إلا بدعمٍ عسكري من الولايات المتحدة. من دون هذا الدعم، تبدو أوكرانيا أقرب إلى الفشل، وستقع هزيمتها في مرحلة أبكر مما يتوقع الكثيرون. حين تسقط أوكرانيا، سيقرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهاجمة أحد حلفاء «الناتو» على الأرجح، ما يجبرنا على الدفاع عنه ونشر قواتنا العسكرية على الخطوط الأمامية.

في غضون ذلك، قد تصبح قواتنا العسكرية مُهددة إذا تدهور الوضع في غزة وانتشر الصراع في أنحاء المنطقة. خلال أحاديثنا في الأردن ولبنان، سمعنا إلى أي حد سيكون أي تقدير خاطئ كارثياً. على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان، سمعنا تجارب عشرات آلاف الأبرياء الذين اضطروا للنزوح بسبب الاعتداءات من الطرفَين. وفي الأردن، لاحظنا إلى أي حد تتحدى الطائرات المسيّرة الرخيصة والقاتلة الأنظمة المتقدمة التي يُفترض أن تصدّها.


إسقاط طرود المساعدات جواً وسط فوق شمال قطاع غزة | 8 آذار ٢٠٢٤


يسعى عملاء إيران، مثل الحوثيين في اليمن، و»حزب الله» في لبنان، وحركة «المقاومة الإسلامية في العراق»، إلى الاستفادة من توسّع المشاعر المعادية للولايات المتحدة وتحقيق الهدف الإيراني القديم المرتبط بانسحاب جميع القوات الأميركية من المنطقة. سبق وتعرّض طاقمنا الديبلوماسي والعسكري للهجوم على يد هؤلاء العملاء في العراق، وقد شعرنا بواقعية هذا التهديد حين استيقظنا يوماً في بغداد على صوت طلقات ذخائر مضادة للطائرات المسيّرة.

لا يمكننا أن نسمح لإيران بتحقيق أهدافها، وإلا قد تواجه الولايات المتحدة حرباً محتملة. قد تعلو الخطابات اللاذعة ضد الولايات المتحدة بسبب زيادة التورط الأميركي في شؤون المنطقة، لكنّ فك ارتباطها عن هذه المنطقة يعني تراجع الخيارات المتاحة أمام الدول الإقليمية واضطرارها لتقبّل قوى مؤثرة خبيثة مثل إيران. لا يمكننا أن نأمل في تغيير الآراء أو بناء العلاقات إذا انسحبنا بكل بساطة.

في النهاية، يتطلب منع اندلاع الحرب على نطاق أوسع في الشرق الأوسط توجيه رسالة تثبت اعتراف واشنطن بحق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، لكنها تتوقع من إسرائيل أيضاً أن تدعم القوانين الإنسانية الدولية وحقوق الإنسان وأن تلتزم عملياتها العسكرية بأفضل المعايير الممكنة. وُجِّهت رسالة قوية اللهجة إلى إسرائيل والمنطقة ككل مثلاً في مذكرة الأمن القومي التي أصدرها الرئيس الأميركي جو بايدن في الشهر الماضي، فهي طلبت من الحلفاء الذين يتلقون مساعدات عسكرية أن يقدموا ضمانات للولايات المتحدة للتأكد من تماشي تحركاتهم مع القانون الدولي.

يعترف الأميركيون بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكن يجب أن يحاول المسؤولون عن الحرب الرامية إلى تفكيك حركة «حماس» تقليص الأضرار المدمّرة بحق المدنيين الأبرياء. كي تثبت إسرائيل جدّيتها في حماية المدنيين وعمّال الإغاثة في غزة، يجب أن تفتح معابر حدودية إضافية وتُحسّن آليات منع الاشتباك بين الأصدقاء لزيادة المساعدات الإنسانية.

في مطلق الأحوال، لا تنتظر واشنطن أحداً لتسليم المساعدات. أصغى بايدن إلى مجموعة كبيرة من أعضاء مجلس الشيوخ الذين دعوا الولايات المتحدة إلى تسليم مساعدات إنسانية عاجلة ومُلحّة إلى غزة، جواً وبحراً، كما فعلت الحكومتان الأردنية والفرنسية. كذلك، بدأت الولايات المتحدة بإسقاط وجبات طعام جاهزة من طائرات شحن، وهي تُخطط لبناء «ميناء موَقّت» قبالة ساحل غزة لتسهيل تسليم المساعدات الغذائية إلى المدنيين.

خلال اجتماعنا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حذرنا من عواقب إطلاق هجوم برّي واسع النطاق في مدينة رفح، في جنوب غزة، من دون وضع خطط إجلاء مناسبة وفرض تدابير لتخفيض عدد الضحايا المدنيين.

الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بالصدقية الكافية لتوجيه هذه الرسالة إلى إسرائيل. إذا رفض نتنياهو الإصغاء إليها، قد تبدي إدارة بايدن والكونغرس استعدادهما لاتخاذ خطوات أكثر إقناعاً لضمان التزام الآخرين بالسياسة الأميركية المرتبطة بحماية المدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية. يجب أن نحاسب أقرب حلفائنا على أفعالهم أيضاً، مهما كانت هذه العملية صعبة.

ثمة أمل حقيقي في توقف القتال في غزة قريباً لأسباب إنسانية، تزامناً مع إطلاق سراح الرهائن. تتعدد الثغرات المستمرة، لكن يمكن تجاوزها بفضل جهود إدارة بايدن لإبرام اتفاق بين إسرائيل و»حماس»، علماً أن قطر ومصر تلعبان أيضاً دور الوساطة في هذا الملف.

حتى أن الاستراحة الإنسانية الطويلة قد تفتح المجال مجدداً أمام ظهور خيارات أفضل لإرساء السلام في الشرق الأوسط من خلال تطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وإنشاء شكل من التكامل الاقتصادي. سيكون انضمام السعودية إلى «اتفاقات أبراهام» باعتبارها الدولة الموقّعة السادسة عليها كفيلاً بتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، ما قد يدفع دولاً عربية أخرى إلى السير على خطاها. تسمح هذه التطورات بتقوية الأمن الإقليمي والروابط الاقتصادية والتصدي لنفوذ إيران الخبيث.

أدرك قادة «حماس» وداعموهم في إيران هذا الواقع، لذا أطلقوا الهجوم في 7 تشرين الأول 2023، فأرادوا بذلك أن يمنعوا أي شكل من إعادة الاصطفاف بين إسرائيل والسعودية. لمجابهة إيران وهزم «حماس»، تقضي أفضل طريقة بالعودة إلى تلك النقاشات وإيجاد المسار المناسب لتطبيع العلاقات في المراحل المقبلة، علماً أن هذا الهدف لن يتحقق إلا عبر شراكة ناشطة مع الولايات المتحدة. كان عقد الاتفاق وشيكاً قبل هجوم 7 تشرين الأول، وقد يسمح وقف القتال موَقتاً بنشوء الظروف التي تُمهّد لإطلاق حوار بنّاء بين السعودية وإسرائيل. في كل محطة من رحلتنا، سمعنا أن الحل المناسب لترسيخ الأمن وإطلاق مسار سلام محتمل يقضي بتكثيف المشاركة الأميركية بدل تقليصها. يجب أن تصل هذه الرسالة إلى النواب الأميركيين الذين يميلون إلى دعم مقاربة بسيطة وانعزالية، ويجب أن يساعدنا هؤلاء لتجاوز هذه التحديات عبر تمرير ملحق الأمن القومي فوراً.

يمكننا أن نضع الحرب بين إسرائيل و»حماس» على طريق السلام عبر توضيح ما نتوقعه من الإسرائيليين في المنطقة واتخاذ الخطوات اللازمة لضمان مستقبل حقيقي للفلسطينيين. كذلك، يمكننا أن نقدّم لأوكرانيا الدعم الذي تحتاج إليه لهزم الغزو الروسي الوحشي.

قد تبدو هذه التوقعات بعيدة المنال، لكن لن يتحقق أيٌّ منها من دون أن تطلق الولايات المتحدة بحد ذاتها هذا المسار.

3