6812

الإصابات

80

الوفيات

2127

المتعافون

جاد حداد

السكر وفرط الحركة... رابط حقيقي أم وهمي؟

30 تموز 2020

02 : 05

حين ينغمس الأولاد في تناول المنتجات الغنية بالسكر، قد يصبحون جامحين ويقفزون على جميع الأسطح! هذا ما يلاحظه معظم الأهالي على الأقل. لكن هل تثبت المعطيات العلمية هذه الفرضية؟ وهل يكون السكر مسؤولاً عن فرط حركة الأولاد فعلاً؟ قد يتفاجأ الكثيرون حين يعرفون أن البيانات الموضوعية تنفي هذه الفكرة مبدئياً. إنه استنتاج مفاجئ لكل من حضر تجمّعاً للأطفال حيث تُقدّم الحلويات. لنراجع إذاً الأدلة المتاحة حتى الآن...

بعض الأولاد أكثر حساسية تجاه السكر؟

يظن الأهالي في بعض الحالات أن أولادهم يحملون حساسية فائقة تجاه السكريات. لاختبار صحة هذه الفكرة، قارن فريق بحثي مجموعتَين من الأولاد:

• 25 طفلاً "عادياً" بين عمر الثالثة والخامسة.

• 23 طفلاً يعتبرهم أهاليهم حساسين تجاه السكر، بين عمر السادسة والعاشرة.

طبّقت كل عائلة ثلاث حميات غذائية تجريبية على التوالي وامتدت كل حمية منها على ثلاثة أسابيع. كانت الحميات على الشكل التالي:

حمية غنية بالسكروز وخالية من مواد التحلية الاصطناعية.

حمية قليلة السكروز لكن فيها أسبارتام كمادة تحلية.حمية قليلة السكروز لكن فيها سكارين (دواء وهمي) كمادة تحلية.

شملت هذه الدراسة الأسبارتام لأنه يُعتبر أيضاً سبباً محتملاً لفرط الحركة واضطرابات سلوكية أخرى لدى الأولاد.

كانت الحميات الثلاث خالية من الملونات الغذائية الاصطناعية والمضافات والمواد الحافظة. كل أسبوع، قيّم العلماء سلوك الأولاد وأداءهم المعرفي. وبعد تحليل النتائج، استنتج المشرفون على البحث ما يلي: "في المجموعة التي يُفترض أن تكون حساسة تجاه السكر، لم تبرز أي اختلافات بارزة بين الحميات الثلاث على مستوى 39 متغيّراً سلوكياً ومعرفياً. وفي مجموعة الأولاد بين عمر الثالثة والخامسة، اختلفت أربعة قياسات فقط من أصل 31 بدرجة كبيرة بين الحميات الثلاث، ولم يُسجَّل أي نمط متماسك في الاختلافات الملحوظة".

في العام 2017، نُشرت دراسة ذات صلة في "المجلة الدولية للعلوم الغذائية والتغذية". حلل الباحثون فيها أثر استهلاك السكر على النوم والسلوك لدى 287 ولداً بين عمر الثامنة والثانية عشرة.

جمع العلماء المعلومات من استبيانات عن إيقاع الأكل والبيانات الديمغرافية والنوم والسلوكيات. تبيّن أن نسبة مفاجئة من الأولاد (81%) تستهلك ما يفوق كمية السكر اليومية الموصى بها.

مع ذلك، استنتج الباحثون أن "الاستهلاك الإجمالي للسكر لا يرتبط بمشاكل السلوك أو النوم ولا يؤثر على العلاقة القائمة بين هذه العوامل المتغيرة".

عند أخذ هذه النتائج بالاعتبار، يتبيّن أن السكر، حتى لو كان يؤثر فعلاً على فرط الحركة، إلا أنه يعطي أثراً ضئيلاً لا يظهر لدى معظم الأولاد.





ما سبب شيوع هذه الفكرة؟

في هذه المرحلة، قد يتساءل البعض: "إذا كانت الأدلة العلمية لا تثبت ارتباط السكر بفرط الحركة، لماذا تزيد حركة أولادنا إذاً"؟ للأسف، يقع جزء من اللوم على توقعات الأهالي المسبقة.

تُسلّط إحدى الدراسات التي نشرتها "مجلة علم نفس الأطفال غير الطبيعيين" في العام 1994 الضوء على هذه النقطة. راقب الباحثون حينها 35 صبياً بين عمر الخامسة والسابعة بعدما اعتبرتهم أمهاتهم "حساسين تجاه السكر" من الناحية السلوكية.

انقسم الأولاد إلى مجموعتَين وتلقوا جميعاً دواءً وهمياً على شكل أسبارتام. قيل لنصف الأمهات إن أولادهن تلقوا دواءً وهمياً، وقيل للنصف الآخر إنهم تلقوا جرعة كبيرة من السكر.

صوّر العلماء الأمهات وأبناءهنّ أثناء تفاعلهم وطرحوا عليهم أسئلة عن ذلك التفاعل. يوضح الباحثون ملاحظاتهم على الشكل الآتي: "اعتبرت الأم المقتنعة بتأثير السكر على الأولاد أن ابنها أصبح كثير الحركة. وكشفت الملاحظات السلوكية أن الأم في هذه المجموعة تفرض سيطرة إضافية على أولادها عبر البقاء بالقرب منهم، كما أنها تميل إلى انتقادهم ومراقبتهم والتكلم معهم أكثر من الأمهات في المجموعة المرجعية".

كذلك، تؤدي وسائل الإعلام دوراً مؤثراً في نشر هذه الخرافة. بدءاً من الرسوم المتحركة وصولاً إلى الأفلام، زاد شيوع عبارة "اندفاع السكر" (Sugar Rush).

يتعلق عامل آخر بالمكان الذي يتلقى فيه الطفل فائض السكر. في الحالات التقليدية، يحصل ذلك في قاعة مليئة بالأولاد خلال حفلات أعياد الميلاد. في هذه البيئة، يستمتع الأولاد بوقتهم وتزيد حماستهم بغض النظر عن السكاكر التي يستهلكونها. وإذا كانت السكاكر تحلية مميزة وعابرة، قد يصبح تلقي هذا النوع من المكافآت اللذيذة كافياً لزيادة النشاطات عالية الأوكتان.

أين ظهرت هذه الفكرة للمرة الأولى؟

كانت الآثار الصحية للسكر محط نقاش واسع على مر القرن الماضي. وحتى هذا اليوم، تهدف أبحاث كثيرة إلى فهم جميع تفاصيل هذه القوة الكيماوية حلوة المذاق وانعكاساتها على الصحة البشرية.

في العام 1947، نشر الدكتور ثيرون ج. راندولف تقريراً يناقش أثر الحساسية الغذائية على التعب وتعكر المزاج والمشاكل السلوكية لدى الأولاد. فوصف عوامل متعددة، منها الحساسية تجاه سكر الذرة، أو شراب الذرة، باعتبارها السبب وراء "متلازمة التعب والتوتر" لدى الأولاد وتشمل أعراضها الإرهاق وتعكر المزاج. خلال السبعينات، لام الكثيرون السكريات على نقص السكر التفاعلي أو الوظيفي، أي تراجع مستوى السكر في الدم بعد تناول وجبة الطعام، ما قد يسبب أعراضاً مثل القلق والارتباك وتعكر المزاج.

برزت نظريتان أساسيتان وراء الفكرة القائلة إن استهلاك السكر ينعكس سلباً على سلوك الأطفال: إما أن تكون ردة فعل تحسسية أو استجابة تجاه نقص سكر الدم. لكن لا تدعم البيانات اليوم أياً من هاتين النظريتين.

يتعلق تفسير آخر بارتباط الوجبات السكرية بارتفاع وجيز في معدل غلوكوز الدم، أو ما يُسمّى فرط سكر الدم. لكنّ هذه الحالة تترافق مع العطش، والتبول المتكرر، والتعب، وتعكر المزاج، والغثيان، ولا تشمل أعراضها فرط سكر الدم.

في أواخر السبعينات والثمانينات، تجدّد الاهتمام بنظرية فرط الحركة المرتبط باستهلاك السكر. أوحت مجموعة دراسات بأن الأولاد الأكثر حركة يستهلكون أكبر كمية من السكر.

لكن كانت هذه الدراسات مستعرضة، ما يعني أنها حللت مجموعة سكانية واحدة من الأولاد في فترة زمنية محددة. يوضح المشرفون على التحليل التجميعي الآنف ذكره أن تلك الاستنتاجات تشير إلى استحالة التأكيد على مسؤولية السكر عن فرط الحركة أو زيادة النزعة إلى استهلاك السكر بسبب فرط الحركة.





الأبــــــحاث مـــــــســــــتــــــمــــــرة

منذ التسعينات، تراجعت الدراسات التي تتمحور حول فرط الحركة والسكر، فقد ظن معظم الخبراء أن هذه المسألة حُسِمت. لكن استمرت الدراسات في مجال واحد. في معظم الحالات، لن يسبب السكر فرط الحركة لدى الأولاد لكن لم تصدر نتائج حاسمة بعد حول مجموعة واحدة من الأطفال: إنهم المصابون باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. عالج العلماء هذا الموضوع من زاويتَين: تساءلت الدراسات أحياناً عن احتمال أن تزيد الحمية الغنية بالسكر خطر الإصابة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، وحللت دراسات أخرى مدى قدرة السكر على زيادة الأعراض سوءاً لدى المصابين بذلك الاضطراب. في أول فئة من الأبحاث، نُشرت دراسة راقبت 107 أولاد في الصف الخامس في العام 2011، ولم تكتشف أي رابط بارز بين الكمية الإجمالية المستهلكة من السكر البسيط في الوجبات الخفيفة والإصابة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.

كذلك، راقبت مراجعة منهجية وتجميعية في "مجلة الاضطرابات العاطفية" في العام 2019 الآثار على المدى الطويل وقيّمت الأدلة المتعلقة بالرابط القائم بين الأنماط الغذائية واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. استنتج الباحثون أن الحمية الغنية بالسكر المُكرر والدهون المشبعة قد تزيد مخاطر ذلك الاضطراب وأن الحمية الغنية بالفاكهة والخضار تعطي منافع واقية.لكنهم يعترفون بأن الأدلة كانت ضعيفة بشكل عام. من أصل 14 دراسة رصدت رابطاً بين الحمية الغذائية واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، استعملت 10 دراسات تصميماً مستعرضاً أو كانت عبارة عن دراسة حالات وشواهد، ما يعني أنها ترتكز على المراقبة وقد تبرز مشاكل في منهجياتها. ذكر المشرفون على التحليل التجميعي نقطة مهمة أخرى: وفق بعض الأدلة، يكون المصابون باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أكثر ميلاً إلى الإفراط في الأكل. بعبارة أخرى، قد لا ينجم هذا الاضطراب عن عاملٍ يزيد مخاطر الإصابة به، بل عن زيادة استهلاك المأكولات التي تُنشّط شبكات المكافأة في الدماغ، على غرار الوجبات الغنية بالسكر.

في النهاية، يبدو أن السكر ليس سبباً لفرط الحركة لدى معظم الأولاد. في المستقبل، قد ترصد دراسات واسعة وطويلة الأمد أثراً بسيطاً له لكنّ الأدلة المتاحة حتى الآن تكشف أن الرابط بين العاملَين يبقى مجرّد خرافة.

في مطلق الأحوال، لا ينفي هذا الاستنتاج مسؤولية الحمية الغنية بالسكر عن زيادة مخاطر مرض السكري واكتساب الوزن وتسوس الأسنان وأمراض القلب. لهذا السبب، تبقى مراقبة كميات السكر المستهلكة لدى الأولاد والراشدين معاً ضرورية للحفاظ على صحة جيدة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.