شاؤول سوسمان

أمازون... فيسبوك... غوغل... آبل... شركات تسيء إلى الولايات المتحدة

4 آب 2020

المصدر: Politico Magazine

02 : 00

يوم الأربعاء الماضي، حصلت مواجهة مباشرة بين الكونغرس والمدراء التنفيذيين في أهم شركات التكنولوجيا: تيم كوك من "آبل"، وجيف بيزوس من "أمازون"، وساندر بيشاي من "غوغل"، ومارك زوكربيرغ من "فيسبوك". جرت جلسة الاستماع تحت إشراف رئيس اللجنة الفرعية لمكافحة الاحتكار ديفيد سيسلين، وهي إحدى نتائج التحقيق الذي أجرته تلك اللجنة طوال سنة حول تأثير الشركات الأربع على تنظيم الاقتصاد الأميركي أكثر من المسؤولين الحكوميين.

قد تبدو جلسة الاستماع بنظر البعض أشبه بسلسلة من الأسئلة التقنية حول قوة السوق، لكنها أقرب إلى استعراض مسرحي في الكونغرس بنظر البعض الآخر. مع ذلك، تبقى المخاطر المطروحة كبيرة. تشكّل هذه الجلسة جزءاً من التحقيق الواسع الوحيد الذي أجراه الكونغرس حول قوة الشركات في التاريخ الحديث. سيكون مسار الجلسة وقدرة الكونغرس على اكتساب الثقة اللازمة لتفكيك تلك الشركات العملاقة وتنظيمها خلال السنوات القليلة المقبلة كفيلَين بتحديد مكانة الولايات المتحدة كدولة ديمقراطية ذاتية الحكم.

قد تبدو هذه الفكرة مبالغاً فيها، لكنها ليست كذلك. حتى الآن، بقيت الأضرار التي أحدثتها تلك الشركات العملاقة خفية عن الرأي العام لأنها تقدم خدمات مجانية أو منخفضة الكلفة إلى العملاء. لكنّ تراجع الأسعار يخفي تهديداً عميقاً على مجتمعنا، بدءاً من هندسة أساليب مراقبة غازية تضمن حصر إيرادات الإعلانات وتُهدد حرية التعبير بحد ذاتها. يفتقر ثلثا المقاطعات الأميركية إلى الصحف اليومية لأن "غوغل" و"فيسبوك" استحوذتا على العائدات المشتقة من الصحافة الحرة. كذلك، تنشر هذه الجهات معلومات مغلوطة وتؤذي الصحة النفسية وتروّج لمظاهر التمييز العنصري من دون حسيب أو رقيب. وحتى قرار الشركات التي تعارض خطاب الكراهية على "فيسبوك" بمقاطعة المنصة العملاقة وعدم عرض إعلاناتها عليها أطلق رداً قوياً من الجهة المُحتكِرة، فقال زوكربيرغ: "أتوقع أن يعود هؤلاء المعلنون كلهم إلى المنصة في أقرب وقت". هذا الموقف ينمّ عن قوة حقيقية.



الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك "مارك زوكربيرغ"



في غضون ذلك، اكتسبت شركة "أمازون" صلاحيات تضاهي الحكومة أو حتى تتجاوزها أحياناً. في العام 2004، أخبر جيف بيزوس المدراء التنفيذيين في شركته بأنه يريد "تطويق" العملاء. كانت الصورة العامة واضحة: تريد "أمازون" السيطرة عليهم كي تصبح صلة الوصل الوحيدة بين مئات آلاف الشركات الأخرى والعملاء.

بعد مرور 16 سنة، من الواضح أن بيزوس حقق هدفه بتحويل شركته إلى جسر تواصل بين عمليات التجارة الإلكترونية الأميركية. اعتباراً من العام 2020، بلغ عدد المشتركين الرئيسيين محلياً أكثر من 118 مليون فرد من أصل 129 مليون أسرة إجمالية في الولايات المتحدة. حقق بيزوس نجاحاً كبيراً في خطته لدرجة أن يُطوّق اليوم البلد كله، كما أن القواعد التي تحددها شركته لتنفيذ تلك العمليات التجارية تؤثر على معظم الجوانب المتبقية من الاقتصاد الاستهلاكي. في هذا السياق، تقول أستاذة القانون في جامعة "هارفارد"، ريبيكا تاشنيت: "أصبحت "أمازون" بحجمها الضخم بديلة عن الحكومة في معظم نشاطاتها اليوم".



الرئيس التنفيذي لشركة غوغل "ساندر بيشاي"



الأضرار الحاصلة كبيرة. خسرت الولايات المتحدة أكثر من مئة ألف شركة محلية ومستقلة للبيع بالتجزئة، فتراجعت أعدادها بنسبة 40% بين العامَين 2000 و2015 ويتعلق السبب الأساسي بشركة "أمازون". هذا الوضع لا يفيد العملاء. تسمح "أمازون" بطرح آلاف المنتجات المزيفة وغير الآمنة في متجرها لأنها لا تتحمل مسؤولية المنتجات بقدر ما يفعل تجار التجزئة العاديون. كذلك، تنسخ "أمازون" تصاميم المنتجات الناجحة انطلاقاً من مراقبتها لسوقها، ما يقضي على حوافز الابتكار.

بعبارة أخرى، تتحكم هذه الشركات الأربع اليوم بطريقة تدفق الأخبار والمواد الترفيهية والسلع والخدمات، فتشكّل بذلك بنية تحتية رقمية لمساحات واسعة من الاقتصاد الأميركي. أصبحت هذه المنصات الطاغية، التي تتجاوز قيمتها السوقية الناتج المحلي الإجمالي لدول كبرى متعددة، بمثابة حارسة شبه حكومية للتجارة والاتصالات الأميركية. سبق وأوضح مارك زوكربيرغ هذه النقطة صراحةً حين قال: "على مستويات عدة، أصبحت منصة "فيسبوك" حكومة بحد ذاتها أكثر مما هي شركة تقليدية".



الرئيس التنفيذي لشركة آبل "تيم كوك"



الاحتكار ظاهرة غير أميركية

تميل شركات التكنولوجيا إلى طرح نفسها كحكّام المستقبل. لكن لفهم أهمية جلسة الاستماع الأخيرة، لا بد من مراجعة التاريخ المنسيّ من المعارك الأميركية ضد قوة الاحتكار. لا يعرف معظم الأميركيين، بما في ذلك قادة البلد، أن الاحتكارات كانت تُعتبر حتى العقود القليلة الماضية ظاهرة غير أميركية، لا سيما الشركات التي ترسم خطاً فاصلاً بين الناس والسوق.

مُرّر أول قانون لمكافحة الاحتكار في مستعمرة ماساتشوستس في العام 1641 وكانت كلماته واضحة جداً: "لن نسمح بنشوء أي احتكارات بيننا" باستثناء تلك المرتبطة ببراءات الاختراع، لكنها "تقتصر على فترة قصيرة" في هذه الحالة أيضاً.

كان الاحتكار كفيلاً بإطلاق ثورة أميركية، فأقدم الأميركيون على رمي الشاي الذي هرّبته شركة الشاي الاحتكارية "إيست إنديا" في ميناء بوسطن. على مر القرن التاسع عشر، لطالما احتقر القضاة والمشرّعون المحتكرين. في العام 1829، ذكر رئيس المحكمة العليا في ماساتشوستس، تعليقاً على احتكار غير مشروع لمالكي جسرٍ يخنق تجارة بوسطن، أن المستوطنين الأصليين "جاؤوا إلى هذا البلد وهم يحملون كرهاً شديداً للاحتكارات، لكنهم لم يكتفوا برفض الاحتكار بل أمروا بعدم السماح بهذه الممارسة".

خلال القرون اللاحقة، عبّر الأميركيون عن الشرخ القائم بين حكم الاحتكار والديمقراطية بأعلى درجات الوضوح. تعليقاً على احتكار شركة AT&T لقطاع الهواتف خلال العشرينات، لخّصت محكمة أوهايو العليا موقفها قائلة إن "احتكار الثروات والقوة والعمل وأي مجال آخر لطالما اعتُبر من أشنع وأسوأ الممارسات بنظر شعبنا الأميركي ومؤسساته الديمقراطية". وإذا أراد الناس هذا النوع من الاحتكارات، كتبت المحكمة أن الشعب يجب أن يحدد شروطه عن طريق التشريعات.

كانت الهيئات التشريعية ناشطة جداً في الحقبات السابقة. في العصر الصناعي، مرّر الكونغرس قوانين فدرالية لمكافحة الاحتكار في الأعوام 1890 و1913 و1936 و1950. أطلقت تلك القوانين تحقيقات واسعة حول قوة الشركات أربع مرات في القرن العشرين. في العام 1950، دعا النائب إيمانويل سيلير، الذي أشرف على أحد تلك التحقيقات ضمن اللجنة نفسها التي يرأسها سيسلين اليوم، إلى اعتبار الحرية في قطاع الأعمال حصناً منيعاً للديمقراطية، واستعمل مكانته لاستكشاف قوة الاحتكار في مجالات الفولاذ والتذاكر وورق الصحف والألمنيوم وكرة القاعدة.

بما أن الأميركيين وقادتهم فهموا أهمية الوصول إلى السوق، أدركوا تلقائياً أن الديمقراطية تتطلب إلغاء مظاهر مركزية السلطة. فكّك الكونغرس سكك الحديد والبنوك وشركات الطيران ومنع الشركات العملاقة في قطاع السيارات والهواتف من غزو الأسواق المجاورة. كذلك، كان الكونغرس ينظّم أسواقنا ويحكم البلد بهذه الطريقة.



الرئيس التنفيذي لشركة أمازون "جيف بيزون"



الـــمـــواطـــنـــون أصـــبـــحـــوا مـــســـتـــهـــلـــكـــيـــن!

ماذا حصل اليوم إذاً؟ كيف تستطيع أربع شركات أن تكتسب هذا المستوى من النفوذ؟ خلال السبعينات، تبنّت النُخَب الأميركية فلسفة جديدة لحكم البلد. اعتبرت حركتان أساسيتان (مدرسة القانون والاقتصاد في جامعة شيكاغو من جهة، وحركة حقوق المستهلك من جهة أخرى) أن الرقابة التشريعية على الأسواق فاسدة. لم يعد الأميركيون حينها مواطنين بل مستهلكين، واعتبر خبراء بارزون من أمثال ميلتون فريدمان وروبرت بورك أن الاحتكارات قد تفيد المستهلكين فعلاً. برأيهم، يجب ألا يخشى أحد قوة الشركات بل الحكومة التي تملك صلاحيات ضخمة. دعا هؤلاء أيضاً إلى السماح للخبراء الاقتصاديين باتخاذ القرارات المتعلقة بالسوق بدل الرعاع في الحكم.


بحلول العام 1998، أصبحت هذه الفلسفة راسخة في أوساط النُخَب الحاكمة لدرجة أن يربط الخبير الاقتصادي لاري سامرز بين التفوق الأميركي العالمي وهيمنة الشركات والمؤسسات بدل قيم الحرية، فقال: "المجموعة الأميركية الدولية (AIG) في قطاع التأمين، و"ماكدونالدز" في قطاع المأكولات السريعة، و"والمارت" في قطاع البيع بالتجزئة، و"مايكروسوفت" في قطاع البرمجيات، وجامعة "هارفارد" في قطاع التعليم، وقناة "سي إن إن" في عالم الأخبار المتلفزة... من الواضح أن الشركات الرائدة أميركية". وفي العام 2010، سألت السيناتورة ديان فاينشتاين أحد زملائها عند تصويتها ضد تدبير يسمح بتفكيك البنوك الكبرى: "ما زلنا في الولايات المتحدة، أليس كذلك"؟ لقد نسينا الكثير عن الهوية الأميركية الحقيقية لدرجة ألا يدرك القادة الأميركيون أهمية سيطرة القطاع العام على الأسواق. في ظل شيوع هذه الإيديولوجيا التي تناقض المبادئ الأميركية وتؤيد الاحتكار، لم تستعمل إدارات كلينتون وبوش وأوباما قوانين الدمج ولم ينظّم الكونغرس البيانات أو التجارة عبر الإنترنت. نتيجةً لذلك، شهدت منطقة "سيليكون فالي" نمواً ضخماً. بعبارة أخرى، لا يشكّل جيف بيزوس والمدراء التنفيذيون الآخرون كيانات مستقلة وقوية لأنهم عباقرة كما يقول داعموهم أو حتى خصومهم. بل إنهم يحكمون البلد اليوم لأن الشعب رفض الحكم عن طريق المؤسسات العامة. اكتفى هؤلاء الرجال بملء الفراغ السائد بكل بساطة.

تتعدد المسائل التقنية المعقدة التي تحول دون التخلص من حصار "أمازون" أو شركات التكنولوجيا العملاقة الأخرى. لكنّ المشكلة السياسية أكثر بساطة. لترسيخ الديمقراطية أو الحكم متعدد الجوانب في المجال التجاري مجدداً، لا بد من إعادة التأكيد على دور المسؤولين المُنتخَبين. من خلال مطالبة مدراء تلك الشركات العملاقة بتقديم الأجوبة على الأسئلة العالقة، بدأ سيسلين وأعضاء اللجنة الفرعية لمكافحة الاحتكار يسدّون الفجوة التي خلّفتها الأجيال الأخيرة من قادة البلد.

إذا نجحوا في مهامهم، سيتمكنون من إعادة ترسيخ تقليد عمره 400 سنة لكنه يبقى معاصراً على نحو مفاجئ!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.