تغيّرت سماء المدينة في لحظة واحدة. شجرة الفطر الهائلة الملوَّنة ارتفعت فجأةً في الفضاء تاركةً في أسفلها ضحايا ودماء ودماراً. لحظة واحدة كانت كافية لموت وفير وخراب. إنّه الانفجار الأقوى، لكن حدث ما يحدث إثر كلّ انفجار: الذهول. الهلع في الوجوه. الشعور بالضياع. الركض في الاتجاهات. تَفَقُّد الأحبّة والأقرباء والأصدقاء. إحصاء عدد القتلى والجرحى.
نحن في المكان الذي لا تندمل فيه الجروح ولا تنبني ذاكرة. في مكان هو عرضة للهدم مرّةً تلوَ الأخرى. وهذا ما جعله يخرج من الحرب الأهليّة من دون أن يخرج منها. هل يُعقل أن يكون أمراء الحرب هم أنفسهم أمراء السلم؟ أمراء الطوائف والعشائر والعائلات والدكاكين والسمسرة والمحسوبيّات. أمراء العنف والقتل والاغتيالات والسيارات المفخّخة، وهم أنفسهم خبراء الارتهان والتبعيّة. في أيّ بلد في العالم، يحمل وزير في سيّارته الخاصّة متفجّرات ليفجّرها في شعبه؟ لم يعد لبنان وطناً مع هذه الطبقة الحاكمة بل ساحة حرب، والبشر الذين فيه كأنهم داخل مختبر للخوف والموت. داخل خزّان مُغلَق في صحراء ملتهبة كالذي وصفه غسّان كنفاني في روايته "رجال في الشمس". لذلك كان السابع عشر من تشرين وجهة جديدة ومُفترَقاً. إنه البداية التي تأخّرت ثلاثة عقود من الزمن للشروع ببناء نظام جديد والتخلّص من سموم الأسر الطائفي ومواجهة هذا الوحش الساديّ الذي لا يرتوي من الدم، يُحاصِر ويقتل ويهدم منذ خمس وأربعين سنة.
لا كلام يوازي ما حدث في الرابع من آب، بل في هذا التاريخ الدموي الحافل كلّه. لقد كان الانفجار صورة لما وصل إليه لبنان مع "العهد القوي"، وهو، في الواقع، ذروة الهزال والضعف، وامتداد مرعب للعهود التي جاءت قبله. ينتهي الانفجار ولا تنتهي انعكاساته على النفس والجسد. يقول الطبيب الفرنسي المتخصّص في علم الأوبئة تياري لانغ: "هذا النوع من الكوارث يترك على المدينة وسكّانها ندوباً عميقة تدوم سنوات عدّة، وهذا ما كشفه الاعتداء الإرهابي ضدّ "مركز التجارة العالمي" في نيويورك، وأيضاً انفجار مصنع في مدينة تولوز الفرنسية العام 2001، وكان هذا الأخير أقلّ حدّة بكثير من انفجار بيروت. أكّد الطبيب الفرنسي أيضاً أنّ اشتعال مادّة نيترات الأمونيوم بين السّكان يترك أثره حتّى على الأجنّة في أرحام أمهاتهم، فهؤلاء ليسوا في منأى عن الخارج وهوائه المسموم.
صحيح أنّ لبنان تلزمه اليوم مساعدات، والمساعدات بدأت تصل، لكن أكثر ما يلزمه هو ما يساعده على إيقاف النزيف والخروج من الكابوس ومن جحيم الحروب والعنف المتواصل كأنّه من ضرورات الحياة في تلك المنطقة المنكوبة من العالم.
لا كلام يوازي ما حدث. بل ما نفع اللغات كلّها حين لا تتمكّن كلمة واحدة من إزاحة هذا الرُّكام! لذلك، سنترك الكلام الآن للّذين عاشوا المأساة من الداخل. نتركها للناجين الذين لمحوا شكل الموت عن قُرب. الناجون هم الذين لم يموتوا لكنّ حياتهم أصبحت ناقصة على الفور. انحرفت عن مسارها. احترقت فيها أجنحة الحلم التي كانت توجّه مسارهم وتُنسيهم المخاطر. يقول شريف مجدلاني في مطلع مقاله في صحيفة "لوموند": "كنتُ على شرفتي، أستمع إلى رسالة صوتيّة، بعد أن وضعتُ على طاولة صغيرة صحن الفاكهة الذي انتهيتُ منه للتوّ، حين بدأت الأرض تتحرّك فجأةً بعنف عجيب، وكانت مصحوبة بِدويّ مُروِّع. قفزتُ من مكاني مرعوباً. شعرتُ بأنّ الشرفة تروح وتجيء مثل أرجوحة سيّئة، وظننتُ أنّها هزّة أرضيّة". في تلك اللحظة، فكّر مجدلاني في أولاده وفي قدرة الجدران حوله على الصمود. أمّا فاطمة عبدالله فكتبت في "النهار": "راح الصراخ يخرج منّي كأنّه احتضار، كوسيلة الدفاع الوحيدة في وجه نهايات من هذا الشكل. في تلك اللحظة، تراءى لي أنّني لن أخرج حيّة. طلبت من الله الغفران. توقّف الوقت. إلى أن سمعتُ زميلاً يصرخ في وجهي لأتحرّك وأتبعه للخروج من الدرج. كلّنا دماء. كلّنا مشاريع موتى، نهرع، لربّما بقينا أحياء". وتتساءل: "هل نحن أحياء؟". لفرط ما خاف اللبنانيون، يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل، نَمَت لخوفهم في ذواتهم جذور. حين اتصلتُ بعد الانفجار بزميلتي جولي مراد في "نداء الوطن"، قالت وهي تتنهّد: "كلّ عمرنا خوف. الخوف مزروع في نفوسنا". وتابعت: "مش عم فينا ننام. صرلنا سنين مش عم بيخلّونا ننام. نحن شعب لم يغمض له جفن منذ سنين. منذ دهور. ننام بعين واحدة خوفاً من الآتي. شهداؤنا الليلة سينامون للمرّة الأولى منذ عقود. يا ويل المسؤولين من الله".
لكنّ الله صامت، ولا يُطاق صمت الله في المِحَن.