لم تكتمل فرحة والدة الملازم أول الشهيد أيمن نور الدين، إبن بلدة النميرية، الذي قضى بانفجار المرفأ. كانت فخورة بالبطل، تنتظر عودته في ذاك اليوم الأسود، لكنّه كان يقوم بالواجب، يُعاين الحريق الذي نشب في عنبر الموت عنبر 12. حين سمعت بالإنفجار، دأبت على الدعاء لولدها، اعتصر قلبها وجعاً، أحسّت أنّ مكروهاً قد أصابه، أخفت مشاعرها، كانت تأمل في أن يتّصل بها، أن يطرق الباب، أن يرسل لها رسالة يُطمئنها أنّه بخير.
كلّ ذلك لم يحصل، فالشهيد أيمن رحل، لم يمرّ شهر على وجوده في المرفأ، انتقل اليه بعد عودته من دورة تدريبية في اميركا، كان طموحاً جداً، يرى لبنان مُغايراً، يراه مزدهراً، يُخبر رفاقه أنّه كان دوماً يبتسم بالرغم من كلّ المآسي، يملك نظرة أمل متينة لكنّها كانت سريعة خاطفة.
سرعان ما انتهى حلم أيمن بانفجار، مات كما عشرات الشهداء الذين يُزفّون على مذبح الوطن، عرسان في ريعان الشباب، فيما الأهل ينتظرون مُعاقبة الفاسدين. فالجريمة أكبر من أن يتراخى معها أحد، يجب إعدامهم وقتلهم وتعذيبهم، علَّ ذلك يبرّد قليلاً قلوب الأهالي المحترقة حزناً على اولادهم.
ما زال الجنوب يودّع أبناءه الشهداء الذين قضوا على مذبح التفجير الكارثي، وأيمن هو الشهيد الرابع الذي تودّعه منطقة النبطية التي نالت نصيبها من الجرحى والمفقودين والشهداء.
فالنميرية مسقط رأس الملازم أول أيمن نور الدين، زفّته بالورود والأرز، فيما ساد نوع من الغضب وجوه الأهالي الذين ينتظرون ما سيرشح عن التحقيق، وهل سيؤخذ بثأر الشهداء والإقتصاص من المجرمين؟
ممثّل قائد الجيش العماد جوزف عون العميد محمد موسى تحدّث قائلاً: "لا تخفى عليكم جسامة المأساة التي حلّت ببلدنا نتيجة الإنفجار المروّع في مرفأ بيروت، وهي كارثة لا يمكن تجاوزها ولملمة آثارها إلا بالصبر والصمود والتضامن، ذلك عهدنا بوطننا الذي طالما نفض عنه غبار الحروب والويلات وخاض العواصف".
ارتدادات الإنفجار طالت الجنوب من أقصاه الى أقصاه. ليست بيروت وحدها منكوبة، الجنوب أيضاً، ما زال حسين بشر في عِداد المفقودين، العامل في إهراءات القمح لم يعد الى منزله يوم الرابع من آب كالمعتاد، تأخّر كثيراً، عائلته ما زالت تنتظر خبراً ما يُطفئ لهيب الإنتظار، ابن بلدة كفرتبنيت ما زال مصيره مجهولاً، مثله مثل مفقودين كثيرين.
رفع المشانق
توازياً، كان حراك النبطية يرفع المشانق لمحاسبة الفاسدين. ما قبل 4 آب ليس كما بعده، قال المحتجّون في الساحة، أكّدوا ضرورة معاقبة المجرمين. وفق علي بدير،"كنّا سابقاً نطالب بالمحاسبة والمعاقبة، اليوم نُطالب بالإعدام لمن تسبّب بنكبة بيروت ولبنان، لم يعد هناك أمل بشيء غير إعدام الفاسدين". ويسأل بدير كما الجميع:"كيف أمكن لسلطة أن تتراخى مع قنبلة موقوتة منذ الـ 2013 من دون إتلافها أو بيعها"؟ ويدعو، كما محمد، الى إنزال أقصى العقوبة بالمجرمين.
يرى محمد "أنّ لا مخرج للأزمة الا بتغيير هوية النظام، وانتخابات نيابية مبكرة"، يرفض "عودة أحد من السلطة الحالية، فسياسة المهادنة والتراخي ولّت، وحان موعد القصاص".
أمام ساحة السراي رُفعت المشنقة، مشنقة يراد من خلالها توجيه رسائل ثلاثية الأبعاد الى جميع أقطاب السلطة: "انتهت صلاحيتكم".