مايكل هيرش

ثورة أم مجرّد غضب شعبي؟

15 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

متظاهر يرتدي زي جورج واشنطن يتناوش مع ضباط من الشرطة في مبنى الكابيتول الأميركي (واشنطن 6 كانون الثاني 2021)

يواجه الأميركيون والعالم أجمع مشكلة لم تتضح طبيعتها بعد. هل تخوض الولايات المتحدة شكلاً من الثورة فيما يتّجه دونالد ترامب إلى النهوض من سباته السياسي ويُهدد بتدمير الدستور الأميركي بحد ذاته؟ وهل يواجه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية (أو ما تبقى منه) اضطرابات ثورية معيّنة؟ في غضون ذلك، يتابع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتهاك كلّ معايير ما بعد حقبة الحرب ويحظى بدعم الصين في معظم تحركاته. يتعاون هذان البلدان لتفكيك إجماع عالمي يزداد ضعفاً وقد يقضي عليه ترامب نهائياً إذا أُعيد انتخابه كرئيس للولايات المتحدة بعد ثمانية أشهر.



هل يُعقَل أن تشير الأحداث الراهنة إلى سلسلة من الثورات المضادة، ما يعني ظهور ردود أفعال قوية محلياً وعالمياً للعودة إلى العالم بشكله السابق؟ يقود ترامب هذه الحملة طبعاً، فقد أطلق في السابق وعداً مزيفاً بـ»استرجاع عظمة الولايات المتحدة». يتبنّى ترامب أجندة راديكالية تهدف إلى كبح ما يعتبره الحزب الجمهوري تجاوزات ليبرالية ضد واشنطن منذ قرنٍ من الزمن. هو يتعهد بنفي، أو حتى اعتقال، كل من يقف في طريقه.

على نطاق أوسع، يبدو أننا غارقون في ثورة عالمية مضادة للنظام العالمي الثوري الذي نشأ بعد حقبة الحرب واستمر طوال ثمانين سنة. تعهد ذلك النظام بإرساء السلام والازدهار في كل مكان، لكنه لم يقدّم هذه المنافع إلا لفئات محدودة، وبات مُهدداً بالانهيار اليوم مع أنه أعطانا أطول فترة خالية من الحروب بين القوى العظمى في التاريخ الحديث. إنه جزء من استنتاجات الصحافي فريد زكريا في كتابه الجديد، Age of Revolutions: Progress and Backlash From 1600 to the Present (عصر الثورات: التقدّم وردود الأفعال العنيفة منذ العام 1600 حتى اليوم).

يكتب زكريا أن الحداثة بحد ذاتها أصبحت على المحك. هو يتمتع بصدقية كبيرة في هذا الموضوع. منذ أكثر من ربع قرن، أصبح من أوائل المحللين الذين تعقبوا «الديموقراطية غير الليبرالية» ثمّ «ظهور الأطراف الأخرى»، فتوقّع نشوء بيئة أكثر تعقيداً بعد الحرب الباردة. اليوم، يسعى زكريا إلى الحفاظ على ما تبقى من المستقبل عبر استخلاص الدروس من الماضي. انطلاقاً من هولندا، حيث اخترعت «الثورة الليبرالية» الناجحة مفهوم الحداثة في القرن السابع عشر، يضع زكريا الأزمات الراهنة في سياقها الصحيح، فيشير إلى التداخل القديم بين «خطَّين متنافسَين: الليبرالية (أي التقدم، والنمو، والاضطرابات، والثورة التي تحمل معنى التطور الجذري)، وانعدام الليبرالية (أي الرجعية، والقيود، والحنين، والثورة التي تحمل معنى العودة إلى الماضي)». قد يتبيّن أن الاضطرابات التي نشهدها في بداية القرن الواحد والعشرين هي مجرّد خطوة أخرى على طريق طويل يقود إلى إرساء حضارة حديثة نتيجة اصطدام النزعات الليبرالية وغير الليبرالية مجدداً. لكن لا يمكن بلوغ تلك المرحلة برأي زكريا من دون معالجة المشكلات بالشكل المناسب.

لهذه الأسباب، يدعو زكريا الولايات المتحدة إلى تحديد المسائل التي أصبحت على المحك وعدم التنازل عن «العالم الذي صنعته». لكنه يبقى واقعياً في الوقت نفسه ويذكر في كتابه أن هيمنة الولايات المتحدة على العالم بعد حقبة الحرب الباردة كانت محكومة بالتعثر دوماً، لأن «المرحلة أحادية القطب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، ولا مفر من أن ينقلب التاريخ على نفسه».

لكن تتعلق المسألة الأساسية مجدداً بقدرة هذه الاضطرابات على تدمير كل ما نضعه اليوم في خانة الحضارة العالمية. لهذا السبب، يجب أن نفهم حقيقة التحديات المطروحة. تعليقاً على الموضوع، يكتب زكريا أننا تجاوزنا الانقسام الإيديولوجي القديم بين اليمين واليسار، وهو انقسام قائم منذ الثورة الفرنسية لكنه تلاشى بالكامل. يتعلق الانقسام السياسي اليوم بما اعتبره رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، «الانفتاح مقابل الانغلاق»، ما يعني أن المواجهة القائمة اليوم تحتدم بين النزعة الشعبوية الانعزالية الحمائية الجديدة (في أوساط اليمين المتطرف واليسار المتطرف) والمؤسسات الداعمة للتعاون الدولي بدرجات متفاوتة (في أوساط اليسار الوسطي واليمين الوسطي).

عندما انتهت الحرب الباردة، توصّلت الولايات المتحدة إلى إجماع معيّن حول السياسة الاقتصادية، ما يسمح بالتركيز على المسائل الاجتماعية. لكن كان الوضع الحقيقي أكثر تعقيداً. ساد إجماع مزيّف حول الليبرالية الجديدة، لكن كانت مظاهر اللامساواة العميقة التي أنتجها ذلك الوضع سبباً في ظهور عدد كبير من المشكلات الاجتماعية. وبعد التركيز على الجانب الاجتماعي، عاد الجدل الاقتصادي إلى الواجهة ومنح ترامب شعبية جارفة، فقد بدأ البيض الغاضبون يعترضون على توزيع منافع اقتصادية متزايدة على الأقليات العرقية، وأصبحت الهجرة قضية متقلّبة وبالغة الأهمية.

لكن من المستغرب أن يقرر زكريا تجاهل أهمية الثورة الأميركية، فهو لا يعتبرها ثورة حقيقية كونها استُعملِت لإعادة ترسيخ التسلسلات الهرمية بدل تخريبها، حتى أنها لم تُغيّر أعمق هياكل المجتمع فوراً رغم جرأتها السياسية برأيه. ربما لم يحصل ذلك التغيير سريعاً، لكن سمحت الثورة الأميركية في نهاية المطاف بتغيير عالم الفلسفة السياسية وممارساته. في ما يخص تخريب التسلسلات الهرمية القديمة، حقق ترامب ذلك الهدف بحلول هذه المرحلة، أقلّه في الحزب الجمهوري، نتيجة تغيير القوة الانتخابية.

حين يراجع زكريا حقبات مصيرية مثل الثورة المجيدة، والثورة الفرنسية، والثورة الصناعية، من الأفضل أن يحتفظ القراء بنسخة من كتاب كريستوفر كلارك الجديد،Revolutionary Spring: Europe Aflame and the Fight for a New World, 1848-49 (الربيع الثوري: أوروبا المشتعلة والنضال من أجل عالم جديد، 1848 – 1849): إنه كتاب عميق عن حقيقة «الثورة غير المكتملة» التي تكون «متقلّبة، ومضطربة، وعنيفة بوتيرة متقطعة، وقادرة على إحداث التحولات». يكتب كلارك، وهو مؤرخ من جامعة «كامبريدج»، أن آثار الثورات لا تتّضح أحياناً إلا بعد مرور وقت طويل. هذا ما حصل على الأرجح مع ظاهرة الربيع العربي. يذكر كلارك أن الثورات الأوروبية في العام 1848 عُرِفت أيضاً باسم «ربيع الشعوب»، لكنها سُحِقت مثل الربيع العربي على يد القوى الانتقامية. برأي كلارك، كانت الاضطرابات في منتصف القرن التاسع عشر تشبه الاضطرابات الفوضوية المعاصرة التي تُصعّب بلوغ نهايات حاسمة وواضحة. من وجهة نظره، قد تشبه أي ثورة محتملة في عصرنا ما حصل في العام 1848.

على صعيد آخر، يتطرق زكريا بإيجاز إلى التحركات شبه الثورية التي شهدتها أوروبا في العام 1848 ويستعملها كتجربة تحذيرية، فيقول: «نشأ عصر ثوري مشابه عندما استُبدِل العالم الزراعي القديم بعالم صناعي جديد خلال فترة قصيرة، وعندما قَلَبت رياح التغيير البنيوي السياسة، والثقافة، والهوية، والظروف الجيوسياسية، رأساً على عقب. على المدى القصير، فشلت ثورات العام 1848. لكن تبنّى الناس جزءاً كبيراً من أفكار الثوريين ضمناً خلال السنوات اللاحقة، ما سمح بتجنّب صدمة أكثر عمقاً».

لكن تبدو تلك الأحداث جزءاً من الماضي الغابر، ومن المتوقع أن تبقى المشكلات الراهنة عالقة لفترة طويلة جدّاً. يكتب زكريا أن «العالم الذي سنعيش فيه مستقبلاً سيتراوح على الأرجح بين الثورات المزدوجة، وعودة سياسات القوى العظمى، وظهور النظام الليبرالي».

قبل بدء تلك المرحلة، يمكننا أن ننقذ ما تبقى من ذلك النظام. رغم كل المشكلات الأميركية، لا تزال الولايات المتحدة القوة الطاغية من حيث حجم الجيش، والاقتصاد، والتفوّق التكنولوجي، وما زلنا نستفيد جميعاً من مرحلة سلمية غير مسبوقة في تاريخ البشرية: لم يسبق أن نشأ نظام دولي شامل لهذه الدرجة، فيه مجموعة من القوى الثانوية الناشئة التي تستطيع التكيّف مع النظام القائم. شجّع الازدهار والاستقرار المرتبطان بهذا النظام الدول على التمسك به، رغم غياب المساواة في عصر العولمة وتجدّد السياسات الحمائية. تُعتبر الصين من أبرز المستفيدين، فهي تبدو مندمجة في الاقتصاد العالمي أكثر من روسيا، وقد أغناها ذلك النظام بقدر الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان.

لكن هل سيتقبّل الرئيس شي جينبينغ والقيادة الصينية عموماً هذا الواقع، ولو جزئياً، أم أنّ شي، الذي يحاول طرح نفسه كنسخة جديدة من ماو تسي تونغ، يخاف من التهديدات التي تطرحها الليبرالية الاقتصادية على شرعية الحزب الشيوعي؟ تتوقف عوامل كثيرة على استعداد واشنطن وبكين لخوض منافسة محتدمة رغم طابعها السلمي، وهي نتيجة تفضّلها معظم دول العالم برأي زكريا.

بعدما أكدت النتائج الأولية يوم الثلثاء 5 آذار، تجدّد السباق بين بايدن وترامب في العام 2024، قال الرئيس الأميركي: «هل سنتابع المضي قدماً أم أننا سنسمح لدونالد ترامب بإرجاعنا إلى مظاهر الفوضى، والانقسام، والظلمة، التي طبعت عهده السابق»؟ لم يكن بايدن رئيساً مثالياً في أي لحظة، لكنّ سؤاله يتماشى مع التحديات التي يطرحها زكريا في كتابه. ما هي القوى التي ستتفوّق في نهاية المطاف: الثورات التي أنتجت العالم الذي نعرفه اليوم، أم الثورات المضادة التي تهدف إلى تفكيك هذا العالم؟

لم يتّضح الجواب بعد. يبقى ترامب حالة تاريخية غريبة، وقد يُحدِث أكبر فرق ممكن إذا عاد ليرأس أقوى دولة في العالم. كان تولستوي محقاً على الأرجح حين قال إن التاريخ البشري لا يرسمه رجال «عظماء»، بل إن العكس صحيح في معظم الأوقات: حصلت شخصيات مريبة ومتعطشة للسلطة والمكاسب الشخصية على فرصة اتخاذ القرارات بدل بقية الناس أحياناً، وقد يتكرر هذا الوضع خلال العصور المقبلة. في حال انتخاب ترامب، قد تشكره الصين وروسيا يوماً، أو قد يبني البلدان تمثالاً لتكريمه على الأقل بعد رؤية الأنقاض التي تركها وراءه.

MISS 3