«بـ «سكون» ما بهمّ إنتو مين، دعمنا مطلق ورح يضلّ مطلق». هذا ما يذكّرنا به مقطع الفيديو الذي أطلقته الجمعيّة بمناسبة عيدها الـ20. من قلب بيروت، تتحدّى «سكون» منذ عقدين الأفكار السائدة والمعتقدات الخاطئة عن الإدمان والمدمنين، وتحرّك الدولة ومؤسساتها نحو معالجة أكثر تطوّراً وشمولاً.
«سكون» منظمة لبنانية غير حكومية لا تبغي الربح، وهي من أول مراكز «العلاج الخارجي» في لبنان. توفّر الوقاية والعلاج والدعم للأشخاص الذين يستخدمون المخدّرات، من خلال خدمات مجانية وسرّيّة تهدف عدا عن العلاج من اضطرابات الإدمان إلى الحدّ والوقاية من مخاطره على المجتمع بشكل عام.
«العلاج الخارجي» بفضل «سكون»
«قبل أن نؤسس «سكون»، كان مدمنو المخدّرات في لبنان ملزمين بثلاثة خيارات للعلاج: إمّا أن يدخلوا المستشفى لعلاج مدّته أسبوع فقط، إمّا أن يخضعوا لعلاج في الحبس، برضاهم أو عدم رضاهم، أو أن يلتحقوا بإحدى الجمعيّات، وعادةً ما تتخطّى فترة العلاج لديها السنة ونصف السنة حسب الحالة. فأسّسنا «سكون» على هذا المبدأ، لنكون مركز علاج مفتوح، يوفّر خدمات نفسيّة وصحيّة للمستفيدين من العلاج». هذا ما أكّدته رئيسة المجلس التنفيذي في «سكون» سارة طراد في حديثها لـ»نداء الوطن».
فلم يكن «العلاج الخارجي» (out-station maintenance treatment) خياراً، أي أن يُسمح للمدمن أن يتابع حياته اليوميّة وأن يتعالج في الوقت نفسه بحسب بروتوكول طبّي دقيق ومتابعة من مركز العلاج والدولة على حدّ سواء.
وتتابع طراد: «بالنسبة لي، أكبر إنجاز حقّقته «سكون» هو تشريع هذا العلاج البديل في لبنان سنة الـ2011، وهذا أمر تطلّب عملاً دؤوباً واستغرق سنوات».
فالـ»علاج الخارجي» ليس بجديد، لا بل أثبتت الدراسات أن إمكانية أن يعود مدمن يخضع لعلاج تقليدي إلى الإدمان (relapse rate) بين 70% و80%، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 6% و7% في العلاج البديل.

أبعد من العلاج
أسّست «سكون» مؤخراً فروعاً جديدة لها في منطقتي طرابلس وبعلبك. وعلى حدّ قول طراد، «ثمّة فرق بين المناطق ومقاربتها موضوع الإدمان. ففي بيروت، التابو حول تعاطي المخدّرات لم يعد قوياً كما في المناطق البعيدة عن العاصمة. كذلك، مراكز «سكون» في المناطق تعدّ جديدة نسبياً، فمركز بعلبك عمره سنتان تقريباً، وطرابلس ما يفوق السنة بقليل. وهذه المراكز لا تقدّم كلّ الخدمات التي تُقدّم في بيروت».
وأبعد من مراكز العلاج، تعتبر طراد أنّ «أكبر إنجازات «سكون» يتمثّل بعملنا مع القضاة، فنحن لا نغيّر القانون، بل نضغط باتّجاه تطبيقه بشكل أفضل، خصوصاً ليكون العلاج أولويّة على العقاب في السجن، وأن يكون ذلك مُتابَعاً من قبل الدولة بشكل أفضل. بالإضافة إلى ذلك، ساهمنا في تفعيل لجنة متخصّصة بالإدمان في وزارة العدل، تتابع الحالات في علاجها».
وتضيف: «بالإضافة إلى عملنا مع الدولة وأجهزتها، نوفّر أيضاً برامج توعية للمدارس، حتّى يتعرّف التلامذة ليس فقط على أنواع المخدّرات وطرق العلاج، بل أن يتعلّموا قدرات جديدة (Life skills) تساعدهم على عدم الهروب لا نحو المخدّرات ولا نحو أي شيء آخر، ومنها إدارة المشاعر (Anger Management)، الثقة بالنفس (Self assertivement)، تحمّل الضغط (Peer pressure) وغيرها. وهذا البرنامج مفتوح لأي جهة تحتاج لها، البلديات والجامعات والمدارس...».
قصّة بين آلاف القصص
تواصلت «نداء الوطن» مع أحد المستفيدين من برنامج علاج «سكون»، لتكون خبرته عيّنة لنا عن قصص آلاف المستفيدين من هذا البرنامج.
فهذه قصّة ح.ه.:
«سنة 2012، عن طريق أحد رفاقي، تعرّفت على جمعيّة من الجمعيّات اللبنانية التي تساعد المدمنين على تخطّي إدمانهم. فذهبت إليها مع والدتي وقابلت طبيبة تعمل فيها.
لكنني توقّفت من الـ2012 وحتّى الـ2014 ودخلت إلى السجن. بعدما أُطلق سراحي سنة 2017، نقلت ملفّي من الجمعيّة التي كنت أتابع علاجي فيها إلى «سكون»، لبساطة قرب المسافات بين منزلي ومقرّهم في بيروت.
ومنذ الـ2018، تغيّرت حياتي. فكان هذا العلاج بمثابة نقلة نوعيّة في حياتي، وسمح لي أن أتزوّج وأن أبدأ بالعمل من دون أن يكون بذاته عائقاً أمام تقدّمي. فـ»سكون» لم تتابعني جسديّاً، بل يتابعنا الفريق على صعد كثيرة، خصوصاً في فترة جائحة «كوفيد-19». وحتّى بعد انتهاء العلاج، لم تنتهِ متابعة «سكون» لي».

مطبّات من بداية الطريق
تأسيس جمعيّة تعالج الإدمان وجعل مقرّها في العاصمة ليس سهلاً، خصوصاً قبل عشرين سنة من اليوم. وتروي سارة طراد، وهي أيضاً أحد المؤسسين، أنّه «في البداية، استغرق البحث عن مقرّ للجمعيّة ستّة أشهر تقريباً، فلا أحد كان يريد «مدمنين» يتردّدون إلى شارعه أو منطقته. لكن في نهاية الأمر، استقررنا في «مونو»، في وسط مدينة بيروت. فالبيئة اللبنانية لم تكن معتادة على «العلاج الخارجي» للمدمنين. فأتت أسئلة كثيرة مثل «كيف رح تعالجوهن؟»، «ما رح تزربوهن؟». وكان جوابنا دائماً أننا نعالج الإدمان كما نعالج أي مشكلة صحية أخرى. ولمّا بدأنا بتقديم العلاج، صار المستفيدون هم الذين يخبرون رفاقهم. وهكذا نمت عائلة «سكون» حيث كنّا مستعدّين لمساعدة من هم بحاجة إلينا».
في السياق، تعالج «سكون» 500 شخص تقريباً كلّ سنة لأنّها لا تملك القدرة الاستيعابية ولا الإمكانيات الكافية لاستقبال المزيد من الراغبين في الخضوع للعلاج، ولائحة الانتظار (waiting list) طويلة. وتؤكّد طراد: «خدماتنا مجانية بالكامل، والمستفيدون لا يتكلّفون إلّا بالدواء».
أمّا عن المستقبل، فتأسف طراد وتقول إنّ: «خططنا في هذا البلد غير قابلة للتحقيق دائماً مع كلّ الأزمات التي تعترض طريقنا. من عشر سنوات، كانت طموحاتنا كثيرة، أمّا الآن فرؤيتنا الأولى والأساسيّة هي أن نستمرّ، والاستمراريّة بحدّ ذاتها مخطط كبير. مع ذلك نتطلّع إلى أن نوسّع نطاق خدماتنا أكثر وأكثر».