جاك ديتش

موت رئيسي... كيف يؤثر على مستقبل إيران؟

22 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

تُوفّي الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يوم الأحد الماضي، بعد تحطّم المروحية التي كانت تنقله مع وفد من المسؤولين الإيرانيين الآخرين في جبال شمال إيران، فأصبح مستقبل البلد والمنطقة موضع شك.

أكدت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية التي تديرها الدولة الإيرانية، مقتل وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان وعدد من كبار المسؤولين الآخرين خلال حادثة تحطّم المروحية أيضاً، بعدما سافر هذا الوفد إلى محافظة أذربيجان الشرقية الإيرانية. أعاق الضباب الكثيف عمليات البحث والإنقاذ طوال ساعات قبل العثور على موقع تحطّم المروحية. كان الضباب سميكاً لدرجة أن يضطر الإيرانيون لطلب المساعدة من الأقمار الاصطناعية التابعة للاتحاد الأوروبي لتسهيل تحديد موقع المروحية.

يأتي مقتل رئيسي لينهي حقبة أحدثت تغيرات بارزة في السياسة الإيرانية، ولو أنها كانت قصيرة، فقد اتخذ البلد في عهده منحى متشدّداً وكاد يضع الشرق الأوسط على حافة حرب إقليمية. طوال ثلاث سنوات في السلطة، أخذ رئيسي السياسة الإيرانية المحلية والسياسات الاجتماعية في اتجاه أكثر تحفظاً وجعل البلد يتبنى دور الغريم الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة بعدما سعى سلفه حسن روحاني، الذي كان قد هزمه في الانتخابات الرئاسية للعام 2017، إلى تحقيق انفراج معيّن في علاقات بلده مع الغرب في ملف البرنامج النووي الإيراني قبل تكثيف الاعتداءات عن طريق العملاء.

كان رئيسي خبيراً قانونياً ربطته علاقة وثيقة مع المرشد الأعلى علي خامنئي واعتبره عدد كبير من المسؤولين والخبراء مرشّحاً محتملاً لخلافة المرشد المتقدم في السن. شَهِد عهده تسارع تخصيب اليورانيوم في إيران، تزامناً مع تباطؤ المفاوضات في شأن «خطة العمل الشاملة المشتركة» بعد انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في العام 2018، قبل ثلاث سنوات على وصوله إلى السلطة.

وفي عهد رئيسي أيضاً، دعمت إيران روسيا في حربها ضد أوكرانيا عبر إرسال كميات كبيرة من طائرات «شاهد» المسيّرة الانتحارية والمدفعيات، وتكثيف الاعتداءات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل على يد ميليشيات إقليمية تابعة لها بعد هجوم حركة «حماس» ضد إسرائيل في تشرين الأول 2023. وقبل شهر واحد على وفاة رئيسي، أطلقت إيران هجوماً مكثفاً بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد إسرائيل.

بغض النظر عن بديل رئيسي، يظن الخبراء أن الاستراتيجية التي طبّقها الرئيس الراحل لن تتغير على الأرجح، فهي راسخة في أعلى مراتب القيادة الإيرانية السياسية والدينية.

تعليقاً على الموضوع، يقول بهنام بن طالبلو، خبير بارز في الشؤون الإيرانية في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات: «مع رئيسي أو من دونه، يبقى النظام الإيراني مسروراً بزعزعة منطقة الشرق الأوسط بعد هجوم 7 تشرين الأول، فقد تمكّن من متابعة تطبيق استراتيجيته القائمة على الاستنزاف البطيء واستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرةً عبر عملائه، حتى أنه استهدف نفسه عبر المناوشات المتبادلة في نيسان وأوحى بأنه فاز بجولة القتال في جميع الأحوال».

بموجب الدستور، استلم نائب الرئيس الأول محمد مخبر مهام الرئاسة إلى حين إجراء انتخابات. يقول المحللون إن الانتخابات البرلمانية الأخيرة سجّلت نسبة مشاركة متدنية بدرجة قياسية. كذلك، بذل خامنئي وحلفاؤه جهوداً كبرى لضمان فوز رئيسي في الانتخابات الرئاسية في العام 2021، فحرصوا على تجريد خصومه المحتملين من أهلية الترشّح.



فرق الانقاذ في موقع تحطم طائرة الهليكوبتر التي كانت تقل الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في فرزغان شمال غرب ايران - 20 ايار 2024




كان رئيسي، قبل توليه الرئاسة، عضواً في لجنة الادعاء الإيرانية التي كانت مسؤولة عن إعدام حوالى 5 آلاف معارض في العام 1988. كذلك، اتّهمته الأمم المتحدة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وفرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات. استمرت تلك المقاربة الصارمة بعد مقتل الشابة مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاماً أثناء احتجازها لدى «شرطة الأخلاق» الإيرانية في أيلول 2022، بسبب عدم ارتدائها للحجاب بشكلٍ لائق في الأماكن العامة، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في أنحاء البلد.

يرتفع احتمال حصول اضطرابات كبرى في أعلى مراتب الطبقة الحاكمة في إيران. باستثناء ابن المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، يبقى عدد المرشّحين لخلافة خامنئي البالغ من العمر 85 عاماً ضئيلاً، وقد يؤدي موت رئيسي إلى زعزعة مستقبل إيران السياسي.

في غضون ذلك، قد يعمد «الحرس الثوري» الإيراني، وهو أكبر فرع من القوات المسلّحة الإيرانية التي تسيطر على أجزاء واسعة من الاقتصاد الإيراني، إلى استغلال تلك الاضطرابات لتقوية نفسه.

في هذا السياق، يقول ديفيد دي روش، عقيد متقاعد في الجيش الأميركي وأستاذ في مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الأدنى وجنوب آسيا في جامعة الدفاع الوطني: «ما من وريث واضح له بعد موته. يجب أن ننتظر للتأكد من نزعة «الحرس الثوري» الإيراني إلى تنفيذ انقلاب بطيء».

حين كان عمّال الإنقاذ يبحثون عن مروحية رئيسي المحطّمة، طلبت وسائل الإعلام الحكومية من الشعب الإيراني أن يصلّي له. لكن بعد انتشار تقارير عن تحطّم الطائرة، ظهر بعض الإيرانيين وهم يطلقون الألعاب النارية احتفالاً بموت الزعيم المتشدّد.

كتب أفشون أوستوفار، أستاذ مساعِد في مدرسة الدراسات العليا البحرية وخبير قديم في الشؤون الإيرانية، منشوراً عبر منصة «إكس» قبل التأكد من مقتل الرئيس الإيراني، فقال: «تحطّم الطائرة اليوم واحتمال مقتل الرئيس رئيسي ووزير خارجيته سيزعزعان السياسة الإيرانية. بغض النظر عن السبب، لا مفر من حصول مناورات خادعة داخل النظام. قد يضغط الأعضاء الطموحون لحصد المنافع لمصلحتهم، فيطلق أعضاء آخرون في النظام ردود أفعال مضادة. استعدوا لما سيحصل».

برأي الخبراء، من المستبعد أن تظهر شخصية متحررة خلال الانتخابات المبكرة، لكن قد يفتح موت رئيسي مجالاً صغيراً أمام تجدّد التحرّكات الاحتجاجية التي استمرت بشكلٍ ضمني.

في النهاية، يقول بهنام بن طالبلو من مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات: «تلك الحركات الاحتجاجية لم تخمد. هي تبقى هامشية، وتنشط على نطاق أصغر، وتظهر على شكل إضرابات وتحركات للنقابات العمالية، وقد تطلق احتجاجات وطنية واسعة أو لا تُحقق شيئاً. في مطلق الأحوال، تتعلق المسألة الأساسية دوماً بتوقيت اندلاع الاحتجاجات الإيرانية، لا باحتمال حصولها».



رئيسي في دمشق - سوريا 3 ايار 2023



MISS 3