أُعلن مؤخّراً في باريس عن لائحة الإصدارات التي ستكون في المكتبات الخريف المقبل، ويحضر فيها بقوّة هذا العام وباء كورونا الذي يتخبّط فيه العالم منذ أشهر، وهذا ما يبرز خصوصاً في الكتب العلميّة والدراسات الفكريّة والفلسفيّة التي استحوذ عليها الحدث الآنيّ وتداعياته على الإنسان والبيئة. في الجانب الأدبي، لا يغيب أيضاً تأثير الأزمة الراهنة سواء في الموضوعات المتناولة أو من خلال عدد الكتب الصادرة، لا سيّما الأعمال الروائيّة الأولى.
الإعلان عن موسم الكتب الجديد في فرنسا مناسبة للحديث عن واقع الكتاب بشكل عامّ، وما كان يعاني منه حتى قبل انتشار الوباء. في العقود الأخيرة، وضع رأس المال يده، أكثر من أيّ وقت مضى، على الثقافة، ومن ضمنها الكتب، وراح يتعامل معها بصفتها سلعة كبقية السلع. أصبحت المردوديّة المادية هي المعيار الأول في نشر الإصدارات المتنوّعة وفي تبنّي هذا العمل الثقافي أو ذاك. ظهر هذا التعامل جليّاً مع الفنون التشكيلية بحيث أصبح الحديث عن البورصة الفنّية والتحكّم بها من خلال عملية العرض والطلب أهمّ بكثير من الحديث عن الفنّ. الأدب نفسه ليس بعيداً من هذه الأجواء، بل هو جزء منها. والأدب اليوم هو الرواية التي أصبحت أيضاً رهينة الشرط المادّي، وهذا الشرط مرشّح لأن يكون أكثر وطأة مع انتشار الوباء وانعكاسه على الاقتصاد. كان يصدر في باريس وحدها، خريف كلّ عام، أكثر من ستمئة رواية. بعض هذه الروايات يموت لحظة ولادته، وبعضها الآخر لا يعيش في المكتبات أكثر من ثلاثة أشهر، ضمن مناخ تسويقي همّه بلوغ النجاح المادّي والإعلامي في المقام الأوّل.
الروايات التي تأتي من خارج الأدب ويمكن تسليعها بسهولة، لها الحظوظ الأكبر في الانتشار. هنا أيضاً أصبح الإعلان عن النتاج الأدبي والترويج له أهمّ من النتاج نفسه. من روائيي القرن العشرين من أمثال فرانز كافكا وهرمن هسّه وفيرجينيا وولف وجايمس جويس إلى إميلي نوتومب وباولو كويلو ومارك ليفي. هذا الأخير عندما يتناوله النقد في فرنسا إنما يركّز على أنه الكاتب الفرنسي الأكثر مبيعاً، ويأتي التعريف به بنسبة المبيعات وبالأرقام. والأدب الرائج اليوم والذي يسجّل أرقام مبيعات عالية هو، في الغالب، أدب إلهاء وتسلية، ويتناول قضايا وموضوعات عامّة تعني الجمهور الواسع. هذا النوع من الأدب لا تتطلّب قراءته جهداً ولا ثقافة. نجاحه وشهرته يحدّدهما البُعد الشرائي لا القيمة الجماليّة والفنيّة. التجارة هي الأساس بعدما أصبحت الروايات تشكّل صناعة قائمة بذاتها في الغرب. صناعة تَستخدم قنوات محدّدة وجيوشاً من المتواطئين، من وسائل الإعلام والنقاد وسوق النشر إلى المهرجانات والجوائز. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ بعض الأعمال الروائية التي توصَف، في بعض وسائل الإعلام العريقة، بأنها "خارقة" و"رائعة" و"متميّزة"، هي، في الواقع، أقلّ من عاديّة ولا تقدّم أيّ إضافة.
إذا كانت الاعتبارات التي تجعل هذه الرواية تصل وأخرى لا تصل، هي، في معظم الأحيان، اعتبارات غير أدبيّة، فهذا لا يعني على الإطلاق أن ليس ثمّة روايات مهمّة وتستحقّ التقدير والانتشار، ومنها ما يُقدَّر ويَنتشر، ، لكن هذا النوع من الروايات يقيم في النُّدرَة والاستثناء. تبقى مسألة الجوائز التي أشرنا إليها. من المهمّ أن يكرَّم الكاتب ويُحتفى به، لكن ليس على حساب نتاجه الإبداعيّ. وهناك نسبة كبيرة من الجوائز لا تراعي هذا الجانب. شروطها المُضمَرة تُقيّد حرّيّة الكاتب، بل هو الذي يتقيّد بها للوصول إليها. تصبح الجائزة هي الهدف الأعلى لا الخروج على السائد والمألوف، ولا طرح رؤى وأسئلة جديدة، ولا اختراق المُحَرَّم والتحليق عالياً في التعبير عن الذات والآخر، بل التقيّد باعتبارات وسلوكيّات ومعايير سياسيّة وثقافيّة وأخلاقيّة تضع الكاتب في إطار لا يمكن تجاوزه، وإن تجاوزه لا تعود لعمله الروائي حظوظٌ في كسب السباق. الكتابة الإبداعيّة عالم مرادف للحرّية، حرّيّة الكاتب الداخلية أوّلاً، وهي أقوى من القيود والسلاسل، وتحتاج هذه الكتابة بالضرورة إلى أفق واسع لكي تستطيع أن توسّع حولها الآفاق. وهذا ما تختصره عبارة الشاعر الفرنسي بُول كلوديل: "تحتاج الفراشة إلى السماء بأكملها حتى من أجل تحليق بسيط".