جيوفاني ليغوارنو

أوروبا مستعدّة لتشديد مواقفها من جورجيا

29 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

إحتجاجاً على مشروع قانون حول "النفوذ الأجنبي" في تبليسي - 18 نيسان 2024

في كانون الأول الماضي، منح الاتحاد الأوروبي جورجيا صفة «مرشّح» للانتساب إليه. لكن يحتدم الخلاف اليوم بين الاتحاد وتبليسي بعدما أقدم حزب «الحلم الجورجي» الحاكم على تمرير مشروع قانون مثير للجدل كان كفيلاً بتأجيج الاحتجاجات في شوارع العاصمة وزيادة الاشتباكات العنيفة بين المتظاهرين والشرطة التي استعملت الغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، وحتى الرصاص المطاطي أحياناً، لسحق الاحتجاجات. يستعد الاتحاد الأوروبي راهناً لاستعمال تكتيكات صارمة خاصة به ردّاً على ما حصل.



يشبه مشروع قانون «العملاء الأجانب» إلى حدّ كبير التشريع الذي أقرّته روسيا في العام 2012 لاستهداف منتقدي الكرملين، وهو يفرض على كلّ المنظمات التي تتلقى أكثر من 20 في المئة من تمويلها من بلدان أخرى أن تتسجل لدى وزارة العدل الجورجية كعميلة للتأثير الخارجي. دافعت حكومة جورجيا عن مشروع القانون باعتباره ضرورياً لتوسيع هامش الشفافية، والاحتماء من «القيم الليبرالية الكاذبة» التي يروّج لها الأجانب، وحماية سيادة البلد. أعلنت رئيسة جورجيا سالوميه زورابيشفيلي، أنها عارضت إقرار القانون في 19 أيار. لكن يمكن تجاوز قرارها عبر إجراء تصويت آخر في البرلمان.

كانت الحكومة قد تراجعت عن إقرار القانون في آذار 2023 بعدما قوبل مشروع مشابه باحتجاجات شعبية وانتقادات من جانب الاتحاد الأوروبي. لكن عندما عبّرت أوروبا لاحقاً عن رأيها الإيجابي في شأن وضع البلد كمرشّح للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي في كانون الأول، قرر الحزب الحاكم تحدّي ذلك الموقف عبر إعادة طرح مشروع القانون في نيسان وتمريره في الشهر اللاحق رغم دعوات متكررة إلى سحبه من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وحلفاء غربيين آخرين، ومنظمات دولية متنوعة. ثم زادت حدّة تلك الدعوات في ظل توسّع أعمال الترهيب ضد وسائل الإعلام وأعضاء الجماعات المدنية.

يحاول الاتحاد الأوروبي تطبيق مقاربة حذرة لمعارضة القانون، فهو يعجز من جهة عن تقبّل ذلك التشريع بشكله الراهن لأنه يتعارض مع قيم الاتحاد وقوانينه الجوهرية التي يُفترض أن تلتزم بها جورجيا قبل الإنتساب إليه. لكنه لا يستطيع من جهة أخرى أن يتجاهل الدعوات الصاخبة التي تطلقها الجماعات المدنية الجورجية، علماً أن جزءاً كبيراً منها يتلقى التمويل من كيانات أوروبية ويعتبر عضوية الاتحاد الأوروبي الأمل الوحيد لإحراز تقدّم ديموقراطي ومنع البلد من الانتقال إلى المحور الروسي. يدعم أكثر من 80 في المئة من الجورجيين انتساب بلدهم إلى الاتحاد الأوروبي، وهو طموح وارد في دستور البلد أيضاً.

في بيان نُشِر بعد يوم على إقرار مشروع القانون، قال جوزيب بوريل، منسّق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: «ينعكس إقرار هذا القانون سلباً على مسار جورجيا الذي يُمهّد لانتسابها إلى الاتحاد الأوروبي. يتوقف اختيار مسار البلد المقبل على جورجيا. نحن ندعو السلطات الجورجية إلى سحب القانون، والتمسك بالتزامها بمسار الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتطبيق الإصلاحات اللازمة عبر الخطوات التسع المتفق عليها».

وأضاف بوريل: «الاتحاد الأوروبي يقف إلى جانب شعب جورجيا واختياره للديموقراطية ومستقبل بلده الأوروبي. لا يمكن تقبّل أساليب الترهيب، والتهديدات، والاعتداءات الجسدية ضد ممثلي المجتمع المدني، والقادة السياسيين، والصحافيين، وعائلاتهم. نحن ندعو السلطات الجورجية إلى فتح تحقيق بهذه الأعمال الموثقة».

عندما منح الاتحاد الأوروبي صفة «مرشّح» إلى جورجيا، طلب منها أن تتخذ تسع خطوات لتطبيق الإصلاحات، منها محاربة حملات التضليل والتلاعب بالمعلومات الخارجية، وتحسين مستوى الالتزام بسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية والأمنية المشتركة، ومعالجة مشكلة الانقسامات السياسية، وإجراء انتخابات حرّة وعادلة وتنافسية، وتطبيق مقاربة منهجية لتقليص نفوذ الأوليغارشيين، وإطلاق إصلاحات قضائية شاملة وفاعلة.

ذكر بوريل في نهاية تصريحه: «يبدي الاتحاد الأوروبي استعداده لمتابعة دعم الجورجيين الساعين إلى بناء مستقبل أوروبي».

تقول تيناتين جاباريدز، محللة المخاطر في «مجموعة أوراسيا» في واشنطن: «اعتبر عدد كبير من جماعات المجتمع المدني والأحزاب المعارِضة في جورجيا ذلك التصريح ضعيفاً لأنه يُخفّض احتمال فرض أي عقوبات على المدى القريب، لا سيما من جانب الاتحاد الأوروبي. أظن أن بروكسل تتجه إلى تمرير بعض الوقت قبل أن تُقيّم مسار تطور الوضع خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة».

في المقابل، اتخذت الولايات المتحدة موقفاً أكثر جرأة، فقد حذّر جيمس أوبراين، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأوراسية، خلال زيارته إلى تبليسي في 14 أيار، من احتمال أن تفرض واشنطن عقوبات مالية وقيوداً على السفر إذا لم يخضع مشروع القانون للتعديل أو إذا تابعت قوات الأمن تفريق الاحتجاجات بالقوة، كما فعلت في الأسابيع الأخيرة.

في نهاية شهر أيار، من المنتظر أن يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لمناقشة ردود الأفعال المحتملة على إقرار مشروع القانون. في هذا السياق، كتب رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال عبر منصة «إكس»، بعد مقابلة رئيسة جورجيا ورئيس الوزراء في 15 أيار، في اليوم الذي تلا إقرار القانون: «كررتُ دعمي الكامل لمتابعة الجهود التي تسمح بمساعدة الجورجيين على بناء مستقبل أوروبي، بما في ذلك المشاركة في إيجاد أفضل طريقة لمعالجة المخاوف المشروعة التي تحملها جميع الأطراف».

إنتقد عدد كبير من المسؤولين، الاتحاد الأوروبي، بسبب مواقفه المتساهلة حتى الآن، فهم كانوا يتمنون أن يتخذ الاتحاد موقفاً أكثر صرامة قبل إقرار القانون. اليوم، يشكك الكثيرون باحتمال سحب القانون أو تعديله بما يتماشى مع تشريعات الدول الغربية الأخرى المرتبطة بالتأثير الخارجي، كتلك المعتمدة في الولايات المتحدة وفرنسا. هم يتطرقون أيضاً إلى مؤشرات أخرى تثبت المنحى غير الليبرالي الذي تتخذه حكومة جورجيا وتقرّبها من روسيا.

في شهر آذار، اقترح حزب «الحلم الجورجي» مثلاً مشروع قانون كان ليحدّ من حقوق المثليين، وأحدث تعديلات مثيرة للجدل في قانون الضرائب المحلي لتسهيل جلب الأصول الخارجية إلى جورجيا. يظن النقاد أن تلك التعديلات تجازف بتحويل جورجيا إلى معقل للأموال القذرة، تزامناً مع السماح لمؤسس «الحلم الجورجي» الملياردير بيدزينا إيفانيشفيلي الذي جمع معظم ثروته في روسيا، وأوليغارشيين آخرين، بالتهرب من أي عقوبات غربية محتملة.

عارضت رئيسة جورجيا سالوميه زورابيشفيلي، ذلك القانون الخارجي المزعوم في بداية أيار، وكتبت على منصة «إكس» أنها ستُصِرّ على رفض أي مشروع قانون يتعارض مع طموحات جورجيا الأوروبية والعابرة للأطلسي. هي تعتبر جورجيا أوروبية الهوية، ولا يمكن تغيير هذا الواقع رغم محاولات تشويهه. كان البرلمان قد حظر سابقاً الحصص الإلزامية الموزّعة بين الجنسَين في عالم السياسة: وفق هذه القاعدة، يُفترض أن تشمل أي لائحة حزبية امرأة واحدة على الأقل من كل أربعة أعضاء. عارضت رئيسة البلد قانون الحظر أيضاً، لكن تجاوز البرلمان قرارها في 15 أيار.

تقول فيولا فون كرامون تاوباديل، نائبة ألمانية في البرلمان الأوروبي من ائتلاف «حزب الخضر» و»التحالف الأوروبي الحر»: «نحتاج إلى تكثيف الضغوط العامة، وإلا لن يشعر الناس في شوارع جورجيا بوجود من يفهمهم. سيكون هذا الخطأ فادحاً. كان يُفترض أن يهدد الاتحاد الأوروبي بفرض العقوبات على أفراد محددين في تبليسي، منهم الجهات المسؤولة عن قمع المحتجين وأعضاء في حزب «الحلم الجورجي»، لا سيما رئيسه إيفانيشفيلي».

يوضح مسؤول من الاتحاد الأوروبي رفض الإفصاح عن اسمه: «لقد كذبت الحكومة علينا في السنة الماضية حين أخبرتنا بأنها لن تطرح مشروع القانون مجدداً. لطالما كانت رسالتنا واضحة جداً. لو كنا صارمين بقدر الولايات المتحدة، ما كانت الرسالة التي سنُوجّهها إلى شعب جورجيا؟ هل سيفهمون أننا ندير لهم ظهرنا في ظرفٍ يُعتبر فيه الاتحاد أملهم الوحيد»؟

يظن عدد كبير من الناشطين الذين نزلوا إلى الشوارع للتظاهر وهم يحملون الأعلام الأوروبية في الأسابيع الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي كان يُفترض أن يبذل جهوداً مضاعفة لمنع التراجع الديموقراطي في بلدهم.

بدأت الاحتجاجات تتوسّع وتزداد حدّة في أكبر مدن البلد بعد تمرير القانون، وتُعتبر فئة الشباب مُحرّكها الأساسي. على عكس الجورجيين الأكبر سناً الذين يحملون شكلاً من الحنين إلى حقبة الاتحاد السوفياتي، تتراجع الروابط العاطفية التي تجمع السكان الأصغر سناً بروسيا، فهم لا يرون مستقبل بلدهم إلا داخل الاتحاد الأوروبي.

يقول أستاذ وناشط مدني من مدينة «تيلافي» الصغيرة في منطقة «كاخيتي» المعروفة بصناعة النبيذ: «ستحصل جورجيا على مؤسسات قوية ومستقلة وقادرة على المشاركة في إرساء الديموقراطية. كما أنها ستستفيد من تحسين البرامج الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية».

لكن يحمل آخرون رؤية أكثر واقعية. تقول آنا تافادزي (26 عاماً)، مسؤولة التطوير التنظيمي في «حركة العار» وعضو في مجموعة داعمة لحقوق المثليين في تبليسي: «نحن لا نحصل على أي فرصة لخوض نقاش إيديولوجي هنا في جورجيا. أنا لا أعتبر أوروبا حلماً مثالياً. بالنسبة إلينا، يتراوح الخيار المطروح بين الأفضل والأسوأ».

MISS 3