يواجه آلاف التلامذة في شمال إسرائيل صعوبات جمّة في مواصلة دراستهم بسبب النزوح من المناطق الحدودية مع لبنان التي تشهد تصعيدا متواصلا منذ أكثر من سبعة أشهر.
وبينما سحب جنود الاحتياط الشباب من الفصول الدراسية وأرسلوا إلى المعركة، يدرس آخرون عبر الإنترنت، بمفردهم وبعيدًا عن منازلهم، منذ إجلائهم من المناطق الحدودية المتوترة مع غزة ولبنان.
يقول الكثير من الشباب إن القلق المستمر على اصدقائهم الذين يخدمون في الجيش، والضغط الناتج عن الغارات الجوية المتكررة وتنبيهات الهاتف المحمول، تأتي على قدرتهم على التركيز.
ومع أن معاناتهم النفسية أقل فظاعة مقارنة مع معاناة الأطفال في غزة الذين قصفت مدارسهم أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين ويتعرضون لقصف مدمر ونزوح متكرر، إلا ان الكثير من الشباب الإسرائيليين يقولون إن الصدمة التي يعانون منها حقيقية.
تقول الطالبة راحيلي (23 عاماً) إنها اضطرت الى مغادرة بلدة تل حاي في شمال إسرائيل بعدما طلبت منهم السلطات الاسرائيلية إخلائها، وتعيش الآن في نزل للشباب في تل أبيب.
وتروي قائلة "أتابع الحصة الدراسية لكني لا أحفظ شيئا (..) في نهاية الفصل الاول اضطررت للدراسة قبل الامتحانات، لكن بدا الأمر كما لو أنني لم أدرس أي شيء على الإطلاق... كان علي أن أبدأ من جديد، من الصفر".
وهي تصف القلق الذي ينتابها في كل مرة يرن فيها هاتفها مع إشعار من تطبيق التنبيهات يحذر من "هجوم عدائي" بواسطة مسيّرة أو من "مواجهة مباشرة" في بلدتها قرب الحدود اللبنانية.
وتقول عن هذه المنطقة الشمالية التي استهدفها حزب الله اللبناني حليف حماس، بصواريخ الكاتيوشا والصواريخ المضادة للدبابات بشكل شبه يومي "إنها أخطر مكان في إسرائيل".
تعرب راحيلي التي طلبت عدم ذكر اسمها الكامل عن قلقها على اصدقائها الذين يقاتلون في غزة متسائلة "كيف يمكنني أن أدرس وهم يخاطرون بحياتهم ويموتون هناك؟"
ومع تشتت الكثير من زملائها السابقين في غرف الفنادق في جميع أنحاء إسرائيل، تقول إنها تعاني من الوحدة وتشعر أن حياتها "متوقفة".
- "صدمة وطنية" -
راحيلي ليست الوحيدة التي تعاني من الصدمة النفسية الناجمة عن حرب إسرائيل المفتوحة التي بدأت إثر هجوم غير مسبوق لحركة حماس داخل أراضيها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
فقد أكد مسؤول في وزارة التربية والتعليم لوكالة فرانس برس أن إسرائيل تواجه "صدمة وطنية لها عواقب معنوية ونفسية على جميع السكان، بمن فيهم الأطفال والمراهقون".
وتفيد الوزارة بأن 8% من التلاميذ لا يتابعون الحصص الدراسية بانتظام.
وقد أجلي 48 ألف تلميذ وطالب إسرائيلي من المنطقة الحدودية مع لبنان وحول قطاع غزة، ولا يزال 28 ألفًا منهم نازحين، وفقًا لوزارة التربية والتعليم.
وذكرت الوزارة أنها عينت أطباء نفسيين في المدارس ووفرت خدمات الدعم للطلاب الذين تم إجلاؤهم و"الأطفال الذين قُتل أو اختطف أقاربهم" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
وخصصت الوزارة حوالى 14,5 مليون دولار "للرعاية والعلاجات النفسية".
وقالت ساشار من جمعية "كيدما" غير الربحية التي تدير مشاريع تعنى بأشخاص تراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما "من الواضح أن هذا المبلغ لا يكفي".
- "الأطفال منزعجون" -
اندلعت الحرب بعدما شنت حركة حماس هجوما غير مسبوق على جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تسبّب بمقتل 1189 شخصا، معظمهم مدنيون، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى أحدث البيانات الإسرائيلية الرسمية المتاحة .
كذلك، احتجز مقاتلو حماس في هجومهم 252 رهينة، لا يزال 121 منهم في غزة، من بينهم 37 يقول الجيش الاسرائيلي إنهم لقوا حتفهم.
وترد إسرائيل منذ ذلك الحين بحملة عسكرية عنيفة في قطاع غزة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 36171 شخصا غالبيتهم من المدنيين، وفقا لوزارة الصحة في القطاع.
واضطر الكثير من الشباب في إسرائيل، حيث الخدمة العسكرية إلزامية، إلى الانتقال من الفصول الدراسية وقاعات المحاضرات إلى الثكنات العسكرية.
واستدعي نحو 360 ألف جندي احتياط عندما باشرت إسرائيل عملياتها البرية في غزة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، وقتل 292 جنديا إسرائيليا في الحملة العسكرية على غزة منذ ذلك الحين.
ولدعم الطلاب الذين تم استدعاؤهم للقتال،اعتمد البرلمان الإسرائيلي قانونًا في كانون الأول/ديسمبر الماضي لتغطية تكاليف دراستهم الجامعية.
وقالت ساشا، التي رفضت الكشف عن اسم عائلتها، إن الكثير منهم رغم ذلك يعانون.مشيرة الى أنه "من الصعب نفسيا على جنود الاحتياط العائدين من الحرب أن يعودوا إلى الواقع" موضحة "لقد ظل البعض بعيدًا عن الفصل الدراسي لمدة ستة أشهر."
وأوضحت أنه لمساعدة المحاربين القدامي الشباب على استئناف دراستهم مرة أخرى، "قمنا بتسجيل الدروس وإعداد الواجبات المنزلية لمساعدتهم على اللحاق بالفصل الدراسي الأول، لكن الفصل الثاني قد بدأ بالفعل".
يشعر الكثير من الأهل بالقلق أيضًا بشأن تحصيل ابنائهم الدراسي وصحتهم النفسية خصوصا أولئك الذين ينتمون إلى بلدات تم اخلاؤها بسبب الحرب.
واحتج نحو 50 شخصا في القدس هذا الشهر مطالبين الحكومة بفرض الأمن في الشمال حتى يتمكنوا من مغادرة غرفهم الفندقية الضيقة والعودة إلى منازلهم. وقالت إحدى الأمهات اليائسات إنها تشعر بالقلق من أن ابنتها الكبرى "تتسرب" من المدرسة لأنها "لا تستطيع التركيز".
وقال متظاهر آخر، وهو عامل في حضانة ذكر أن اسمه أميغو كوهين "الأطفال مضطربون" متسائلا "الى متى سيستمر هذا الوضع؟"
آل-بور/ماب/غ ر
Agence France-Presse ©