كانت النسخة السادسة عشرة من كأس أوروبا لكرة القدم صيف 2021 احتفالاً يليق بالذكرى الستين للبطولة القارية، فتحوّلت ملاعب المدن الـ11 المضيفة إلى مهرجانات كروية لم تسلم من حوادث مثيرة انتهت بتتويج إيطالي مفاجئ.
بعد إرجاء لعام بأكمله من 2020 إلى 2021 بسبب تداعيات جائحة كورونا وبعد 51 مباراة توزّعت على 11 مدينة في 11 دولة أوروبية، كان التتويج في نهاية المطاف من نصيب منتخب إيطالي متجدّد بقيادة مدرّبه روبرتو مانشيني، على حساب إنكلترا "المضيفة" لست من مبارياتها السبع، من دون أن تستغل ذلك لانهاء صيام عن الألقاب منذ مونديال 1966.
وكانت عودة إيطاليا بهذه الحلّة المثيرة بعد خيبة الغياب عن مونديال روسيا 2018، من أبرز إيجابيات النهائيات القارية، إذ عاد "أتزوري" ليلعب دوره بين الكبار، متخلياً عن أسلوبه الدفاعي التقليدي وبنكهة هجومية لافتة لفريق غابت عنه الأسماء الرنّانة.
وبعد 15 عاماً على اللقب الأخير بركلات الترجيح أيضاً على حساب فرنسا في مونديال ألمانيا، عادت البسمة إلى الطليان الذين اسقطوا الإنكليز في معقلهم "ويمبلي" بركلات الترجيح 3-2 بعد التعادل 1-1، بعدما مرّوا في ربع النهائي ببلجيكا القوية وفي نصف النهائي بإسبانيا التي حرمتهم اللقب القاري عام 2012.
في جميع أنحاء شبه الجزيرة، احتفل الطليان باللقب الأوروبي الثاني بعد عام 1968، مطلقين العنان لأبواق سيّاراتهم، الأناشيد والألعاب النارية، بعدما عانت البلاد كثيراً خلال جائحة كوفيد.
- قلب إريكسن -
قال حارس المرمى جانلويجي دوناروما، أفضل لاعب في النهائيات بسن الـ22، بعد تصدّيه لركلتين ترجيحيتين في النهائي "لدينا مجموعة استثنائية، نحبّ بعضنا البعض، ونعرف من أين أتينا".
وهناك نقطة إيجابية إنسانية أهمّ بكثير من النتائج والتتويج، بطلها المنتخب الدنماركي والطاقم الطبي الذي تدخّل في الوقت المناسب لإنقاذ حياة صانع الألعاب كريستيان إريكسن، بعد تعرّضه لأزمة قلبية في المباراة الأولى لبلاده ضد فنلندا (0-1).
استلهم المنتخب الدنماركي مما حصل لنجمه وتجاوز خسارته مباراتيه الأوليين معزّزاً الآمال بتكرار انجاز 1992 حين توج باللقب، لكن الفرحة لم تكتمل بعد انتهاء المغامرة في نصف النهائي على يد الإنكليز (1-2 بعد التمديد)، بسبب ركلة جزاء شكّك كثر في صحتها.
- مهرجان تهديفي -
كانت هذه النهائيات بطولة الأرقام القياسية الهجومية حيث سُجّل 142 هدفاً (يعود السبب في ذلك بشكل أساسي إلى رفع عدد المنتخبات الى 24 اعتبارا من نسخة 2016)، بمعدل قياسي في المباراة الواحدة بلغ 2.78 هدفاً، في رقم لم يُسجّل منذ اعتماد نظام المجموعات عام 1980.
كان نجم وقائد البرتغال بطلة 2016 كريستيانو رونالدو على موعد مع المزيد من الأرقام القياسية، في مسيرة لاعب لا يعرف معنى للتقدّم في العمر. في السادسة والثلاثين، أنهى لاعب يوفنتوس الإيطالي البطولة في صدارة الهدافين بفارق تمريرة حاسمة عن التشيكي باتريك شيك (5 أهداف لكل منهما)، وتفوّق على الفرنسي ميشال بلاتيني كأفضل هداف في تاريخ النهائيات القارية (9) بعدما رفع رصيده الى 14 هدفاً.
برزت كثرة ركلات الجزاء التي سجّلت رقماً قياسياً في النهائيات حيث بلغ عددها 17، وذلك يعود بشكل أساسي الى استخدام حكم الفيديو المساعد (في أيه آر).
واللافت ليس عدد ركلات الجزاء المُحتسبة، بل الضائع منها، إذ ناهزت الخمسين بالمئة (ترجمت 9 منها فقط بنجاح)، وكانت إسبانيا "بطلة" هذا التخصّص بإهدارها اثنتين.
ولم تكن ركلات الجزاء المهدرة الرقم السلبي الوحيد، بل تميّزت البطولة بكثرة الأهداف العكسية المسجّلة بالنيران الصديقة والتي بلغ عددها 11، أي أكثر من مجموع الأهداف العكسية التي سُجّلت في النسخ السابقة بأكملها.
- مجموعة الموت تموت باكراً-
باستثناء إيطاليا وإنكلترا اللتين بلغتا النهائي، وإسبانيا التي تأهلت إلى نصف النهائي، مُنيت المنتخبات الكبرى بخيبة في النهائيات مثل هولندا، فرنسا بطلة العالم ووصيفتها كرواتيا، ألمانيا، والبرتغال حاملة اللقب.
بالنسبة للألمان، الفرنسيين والبرتغاليين، انتهى المشوار عند الدور الإقصائي الأول أي ثمن النهائي، لتكمل البطولة من دون أي ممثل عن المجموعة التي صُنّفت بمجموعة الموت لضمّها العمالقة الثلاثة.
نتيجة توزيع المباريات على 11 مدينة ذات حساسيات مختلفة، أطلق العنان لمشاحنات جيوسياسية وصحية: عبثية لوجستية وبيئية لبطولة موزّعة في القارة، جدل حول رموز مناهضة التمييز، مثل الركوع قبل المباريات أو ألوان قوس قزح التي ترمز لمجتمع المثليين.
وما زاد الطين بلة، أن المباراة النهائية تلطّخت بسبب الكثير من المخالفات التي حصلت في لندن وحول ملعب "ويمبلي"، مثل محاولة مشجعين لا يملكون التذاكر دخول الملعب وإساءات عنصرية وُجّهت إلى الثلاثي الإنكليزي أسود البشرة الذي أهدر ثلاث ركلات ترجيحية ضد إيطاليا: ماركوس راشفورد، بوكايو ساكا وجايدون سانشو.
قد لا يكون الاتحاد القاري والبلد المضيف للنهائي قادرين على التحكّم بتصرّفات المشينة للجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن كان بإمكانهما التعامل مع ما دار داخل الملعب وخارجه بشكل أفضل بالتأكيد.
ايبا-جد/ا ح/جأش/ز ر
Agence France-Presse ©