ثمّة سؤال يتردّد كلّما حدثت كارثة أو مصيبة، وكلّما انتشر وباء أو اندلعت حرب: ماذا بإمكان المثقّفين أن يفعلوا؟ وإذا كان هذا السؤال مطروحاً في كلّ مكان، فإنّ طرحه في العالم العربي الآن يكتسب معنى خاصّاً.
المثقّف، بالنسبة إلى المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد، كما ورد في كتابه "المثقّفون والسلطة"، ليس صانع سلام ولا باني إجماع، بل شخص يخاطر بنفسه على أساس حسّ نقدي دائم. شخص يرفض، مهما كان الثمن، الصيغ السهلة، والأفكار الجاهزة، ومسايرة أقوال وأفعال من هم في السلطة، ومجاملة أصحاب النفوس التقليديّة. المثقّف ليس ذاك الذي يرفض بشكل مراوغ، بل من يجهر بموقفه. أما الخيار الأساسي الذي يواجه المثقف فهو الآتي: "إمّا التحالف مع استقرار المنتصرين والمسيطرين، وإمّا – وهذا هو الطريق الأصعب – اعتبار هذا الاستقرار مثيراً للمخاوف وحالة تهدّد الضعفاء والخاسرين بالانقراض التامّ".
الجهر بموقف مناهض للسلطة، في الأنظمة الشموليّة، قد يكون ثمنه، إذاً، الملاحقة أو السجن أو الموت. وهذا ما حدث ويحدث كلّ يوم حيث إعدام الآخر هو الطريق الوحيد للتخلّص من أفكاره. هنا يسقط العامل الإنساني في التعامل مع الشخص المعارض والمختلف. يصبح الانضمام طَوعاً إلى القطيع هو شرط البقاء. ظاهرة العنف هذه لا تنحصر في الطبقة السياسيّة فقط، بل تسود أيضاً في أوساط المثقفين أنفسهم. وثمّة مِن هؤلاء مَن يدافع علناً عن رموز الاستبداد ويُسَوِّغ أساليبهم مهما تمادت في عنفها. وهناك من يغطّي بصمَته ما ترتكبه تلك السلطات من مضايقات وقتل وتهجير ضمن حيّز يصبح فيه الإنسان منزوعاً من كامل حقوقه ومجرّداً من إنسانيته.
هذا الواقع لا يطالعنا فقط في العالم العربي، وإنما هو حاضر في كلّ زمان ومكان، وهذا ما رأيناه، مثلاً، في أوروبا إبّان الحربين العالميّتين، وخصوصاً من خلال مواقف عدد كبير من المثقّفين والمبدعين حيال النازيّة والفاشستيّة. ففي حين تحمّس عدد من هؤلاء للحرب، انبرى عدد آخر ليستنكر القبول بالحلول القائمة على العنف وبفكرة الحرب نفسها، وهذا ما عبّر عنه عرّاب المدرسة السوريالية أندريه بروتون الذي أشار إلى "الحماسة السخيفة للحرب"، كما عبّر البعض الآخر عن خشيتهم من انتصار مبدأ التعصّب والحرب على مبدأ الحوار والسلام. الفنان التشكيلي ماكس إرنست تحدّث عن "موجة الحرب القذرة"، مبرّراً هجرة بعض أصدقائه من الكتّاب والفنّانين بقوله: "لا أحد من الأصدقاء مستعجل كي يضحّي بحياته في سبيل الله والملك والوطن".
إثر وفاة ستالين، كتب الشاعر لويس أراغون مقالاً بعنوان "ستالين وفرنسا"، صدر في مجلّة "الآداب الفرنسيّة" التي كان يشرف عليها آنذاك. جاء في المقال: "تدين فرنسا بوجودها كدولة لستالين بفضل كلّ ما فعله ليجعل الشعب السوفياتي يحبّ السلام ويكره الفاشستيّة". هكذا فعل أيضاً بول إيلوار في قصيدة بعنوان "نشيد إلى ستالين"، صدرت العام 1950. وقد استهلّها على النحو التالي: "ستالين في قلب البشر"، وختمها بالقول: "لأنّ الحياة والرجال انتخبوا ستالين لتمثيل آمالهم التي لا حدود لها على الأرض". تقتضي الإشارة، هنا، إلى أنّ صاحب القصيدة التي تمدح ستالين هو الذي عُرف في العالم أجمع من خلال قصيدته التي تتغنّى بالحرّيّة، وردّدتها حناجر ملايين الأشخاص، وكان قد كتبها كردّ على الاحتلال الألماني.
لا ينحصر الموقف من ستالين في هذين الاسمين المعروفين إذ وقفت الموقف النقيض منهما، ومن سياسة ستالين وجرائمه الوحشيّة، نسبة كبيرة من السورياليين، وفي مقدّمهم أندريه بروتون الذي سبق أن أشرنا إليه. ومن السورياليين الذين اتخذوا هذا الموقف الحاسم من الحزب الشيوعي الفرنسي يومها ومن أعضائه، الشاعر المصري باللغة الفرنسيّة جورج حنين عبر رسالة تدين أراغون وتعتبر موقفه من ستالين سقطة أخلاقيّة وإنسانيّة. من خارج فرنسا أيضاً، ارتفعت أصوات كثيرة ضدّ سيّد الكرملين ومنها صوت الشاعر والباحث الروسي أوسيب ماندلشتام الذي ألقي القبض عليه بسبب قصيدته "هجاء ستالين"، وحكم عليه بالسجن وتوفّي من الجوع والبرد. وقد ورد على لسانه: "فقط في روسيا يحظى الشعر بالاحترام ويتسبّب في مقتل الناس".
موقف المنتصرين لسياسة الاستبداد لا يكشف فقط العمى الإيديولوجي وتحجيب الفكر النقديّ وتعطيل العقل، وإنما أيضاً تقديس بعض الأشخاص ممّا يحول دون رؤيتهم على حقيقتهم ويساهم في تكريس صورتهم كمسوخ بشريّة وآلات للقتل والخراب. مع هؤلاء تصبح واحات هذا العالم مجرّد سراب.