سناء الجاك

النداء الأخير للوطن

15 حزيران 2024

02 : 00

لا شيء يوحي بأنّ سيرة الوطن ومسيرته إلى اندثار أو انقراض لأنّ محوراً ما قرر ابتلاعه ووجد من ينفذ له قراره. فالذين قُيِّض لهم متابعة مجريات الأحداث عبر مراحل متعددة ومتناقضة من التاريخ اللبناني الحديث، عايشوا صعود ممالك الميليشيات التي استبدت وطغت وفظَّعت واستفادت من مشاريع دولية وإقليمية، ورفعت شعارات استثمرت فيها بدماء اللبنانيين، وأرزاقهم، وحاضرهم، ومستقبلهم.

لكن هذه الممالك التي بلغت أوجّها، تناست أنّ صعود الطغيان، تلاه التراجع والتقهقر. ولم تنفعها المكابرة، عندما تهاوى جبروتها، فواصلت التخريب على أمل أن تستعيد مجدها او تبلغ مجداً ما زالت ترتكب لأجله الآثام بحق الوطن والمواطنين.

والأمر لا بدّ سينسحب على الحقبة الحالية ليجد الحاكم بأمره أنه مهما انتشى ببطولات، وإن وهمية، وأتخمته السلطة وحمله النفوذ إلى أعلى مستوياته، سيأتي عليه حين من الدهر ليجد أنّ أمجاده زائفة ونشوته مبددة، والسبب قضاؤه على الدولة ومؤسساتها والإبقاء على العقلية الميليشيوية، التي تستخدم قدراتها العسكرية، ليس لتحرير أرض أو شعب، كما يدعي، ولكن للفوز بمعارك النفوذ والسلطة خدمة لمشغله وتنفيذاً لأجندته، وإرضاء للأزلام بالمحاصصة على حساب الدولة والخزينة والمال العام.

صحيح أنّ التحركات المناهضة لهذه العقلية لم تؤتِ ثمارها حتى اليوم، وصحيح أنّ الحاكم بأمره لم يوفر وسيلة وحشية ليخمد هذه التحركات ويئدها قبل أن تتفتح وتتفعل، وصحيح أنه أخرس بالتدريج كل الأصوات التي تكشف عوراته، سواء بكاتم الصوت أو بالتفليس أو بالتيئيس، لكن ما بُنِي على باطل سيبقى باطلاً، مهما استعار من مسميات يفترض أنها مقدسة ومبررة لتوحشه وطغيانه.

مرة جديدة مع إقفال منبر يُفْتَح للمطالبين بالحرية والسيادة وعدم الارتهان لمحور كل همه أن لا تقوم قيامة للدول الممتدة من حدود رأسه إلى شاطئ المتوسط، نقف عند مفترق حادٍ وقاسٍ، ونفتش عن الخيارات، وينتابنا التعب فنفكر بالاستسلام والاستقالة من الشعور بأنّ الكلمة يمكن أن تساهم في خلق حالة وعي جماعية تساهم بالدفع باتجاه مقاومة اليأس والصمت عجزاً وأسفاً، وإما أن نسلك درب التحدي ونواصل على الرغم من طغيان العدم والخواء، وكل هذا القرف لأنّ مرتزقة الحاكم بأمره والمنتفعين والانتهازيين يحتلون المنابر، ليصبح الإصرار على اقتناص أي فرصة ممكنة لحلم التغيير هو أشبه بإدمان لا شفاء منه، مهما تراكمت الخيبات لتشكل متاريس تقطع هذا الدرب وتحجب رؤية الحقائق البسيطة التي لا تقوم قيامة وطن من دونها.

هي معركة خاصة وعامة، فردية ومجتمعية في آن معاً. هي المعركة الوحيدة لرفع الاحتلال الحالي برعاية رأس المحور الحاضر ليتاجر بمزيد من الدماء، فقط في سبيل تحقيق بنك أهدافه والحصول على أوراق تفاوضية فعالة مستثمراً في جرائم العدو الإسرائيلي بحق أبناء هذه المنطقة المنكوبة.

هي معركة عامة وخاصة وقاسية مع تهديم أسس التعبير عبر إقفال منبرٍ حرٍّ ومستعصٍ على الترويض، وتحديداً في هذه المرحلة مع اتساع الهوة بين الممانعين وبين الرافضين للاحتلال، ومع تفاقم الأزمات التي يطيب للقوى التدميرية أن ينفضوا أيديهم من ارتكابها، ويرفعوا عن أنفسهم مسؤولية ما ارتكبوه منذ خروج النظام الأمني السوري من لبنان، وصولاً إلى الانهيار التام الذي نحن فيه.

ومع هذا يبقى الأمل ما دام في عروق اللبنانيين دم ينبض. وتبقى الفرصة ممكنة، فالصوت وإن أصبح حشرجة لا بد أن يصل ويخيف، وإلا لما كانت جرائم إخراس أصحابه عنيفة، ولما كان الشتامون الشامتون من الممانعين يحتفلون بإقفال المنبر، ويعتبرون أنهم انتصروا على النداء الأخير للوطن... وحققوا ضربتهم القاضية.

MISS 3