طوني فرنسيس

نداء... الوطن

15 حزيران 2024

02 : 00

كانت تحتاج أسبوعين لتكمل مسيرة سنواتها الخمس، لكنها لم تستطع إكمال هذه الأيام القليلة لتحتفل بيوم صدورها السنوي الخامس. وهذا بالفعل شيء مؤسف.

ليست «نداء الوطن» الجريدة الأولى أو الأخيرة التي تتوقف عن الصدور لأسباب مالية. هناك عشرات الحالات المماثلة على امتداد تاريخ الصحافة اللبنانية. لذلك ليس التوقف المالي بحد ذاته مدعاةً للتعجب. لكن الأمر يختلف، أو هكذا اعتقد، بالنسبة للصحيفة التي احتضنت عشرات الصحافيين والكتاب على امتداد فترة زمنية قد تكون بين الأصعب والأغنى في تاريخ البلد ومشاكله وهمومه. كان صيف 2019 علامة فارقة في تثبيت سيطرة تحالف سياسي ميليشياوي على السلطة والبلاد سيقود بعد شهور قليلة إلى انهيار مالي واقتصادي شامل، وإلى اندلاع انتفاضة ستواجه بأسلحة القمع والتمزيق المذهبي، وفيما كانت العملة الوطنية تذهب إلى الحضيض واكبها وباء كورونا الذي سيفضح المزيد من سلوكيات تحالف الفساد والميليشيا، ثم جاء تفجير مرفأ بيروت ليحكم على ذلك التحالف بالادانة التي سيرفضها ويحيلها مع القضاء الذي تولى التحقيق إلى الطرد من الخدمة. لم تعد بقايا الدولة ومؤسساتها موجودة في سنوات التجفيف الخمس. كلٌ ارتضى مساحته وحصته، فتح دكانته أو أطلق حربه وصار لبنان المفترض، كبلد ديمقراطي برلماني مجرد ذكرى سياسية.

أهمية «نداء الوطن» في هذه السنوات كانت في أنها قررت خوض معركة الناس في استعادة دولتهم وديمقراطيتهم واستقلالهم... وودائعهم، بقدر خوضها معركتهم لصون حرياتهم وحقهم في التعبير والحفاظ على وطنهم.

وتحولت الصحيفة، برغبة ناشرها الراحل، الذي فقدته باكراً، ميشال مكتف، وبإرادة صحافييها المخضرمين والجدد، إلى صوتٍ استقلالي ثابت وصريح، يحمل في أعماقه روح 14 آذار وطموحات 17 تشرين وألم 4 آب. لقد باتت صحيفة «قضية» من دون مواربة أو لفٍ ودوران، في وقت يتم فيه تدجين واحتواء الإعلام المحلي ضمن وجهة نظر تكاد تكون وحيدة في تمجيدها أو سكوتها عن مشاريع الخراب.

كانت «نداء الوطن» تستحق الاستمرار بصفاتها المذكورة تلك. لكنها لم تتمكن من الصمود، ليس لنقص في القناعات وإنما لنقص في التمويل وهنا المشكلة الكبرى.

فتوقفها يوجه رسالة إلى جمهور عريض فحواها أنّ عناوين الخلاف السياسي الكبير في البلاد لا تجد من يحمي القدرة على التعبير عنها، والاسوأ أنّها لا تجد من بين قوى السياسة والمال من يرغب في تحمّل مسؤولية التعبير عن القضايا الجامعة. وفي ذلك سقطة أخرى من سقطات أوصلت البلد وشعبه إلى ما هم فيه الآن.

لن تنتهي الصحافة ولو تحوّلت الى ما يشبه الصحافة، ولن ينتهي الصراع باقفال منبر، والأمل معقود دائماً على تجارب جديدة وصيغٍ جديدة، لا تهمل المعنى والجدوى. ولكل الزميلات والزملاء، الذين عملوا سويةً طوال هذه السنوات الخمس لإصدار تجربتهم المميزّة، أطيب الأمنيات بالنجاح وتحقيق ما يصبون اليه.

MISS 3