أوركسترا فيلهارمونية للأطفال في ساحل العاج تتيح لهم الحلم بمستقبلهم

5 دقائق للقراءة

وسط منطقة ريفية في شمال ساحل العاج وبعيداً عن مدينة أبيدجان الصاخبة، تضمّ أوركسترا فيلهارمونية هي الأولى من نوعها في البلاد نحو مئة طفل، في إطار مشروع يوصَف بـ"المجنون" لأن معظم هؤلاء لم يسبق لهم أن رأوا آلة موسيقية من قبل.

وثُبتت مكاتب لأعضاء أوركسترا أوديينيه الفيلهارمونية في صالة يعلو فيها ضجيج الأطفال وثرثرتهم.

وفي الصف الأمامي من الفرقة حيث تتداخل نغمات آلات البلافون والدجيمبي مع نغمات آلات أوروبية، تضبط ليلى كوليبالي (9 سنوات) كمانها بتأنٍّ.

وتقول في حديث إلى وكالة فرانس برس "أريد أن أصبح موسيقية محترفة لأن الأوركسترا غيّرت حياتي".

يومياً بعد الدوام المدرسي، يتم اصطحاب 139 طفلاً تراوح أعمارهم بين 6 و16 عاماً من منازلهم إلى أحد الفنادق عبر حافلة صغيرة، للعزف لساعتين ونصف ساعة، تحت إشراف نحو عشرة مدرّسين.

ويقول قائد الفرقة الموسيقية فابريس كوفي إنه "مشروع مجنون" في منطقة كهذه.

- منطقة ريفية -

يعتمد اقتصاد مدينة أودييني التي تضم 86 ألف نسمة على الزراعة، وهو قطاع يوظّف أحياناً أطفالاً.

وفي ظل درجات حرارة تصل إلى 35 درجة مئوية، يجلس سياكا سي سافانيه (15 سنة)، وهو عازف ترومبون في الأوركسترا، خلف أكشاك مظللة في السوق، لبيع الحبوب منذ الفجر.

ويقول إنه يحضر منذ الفجر "من الاثنين إلى الجمعة، لمساعدة والدتي في السوق. أما السبت والأحد، فأذهب إلى الحقول مع أخي الأكبر"، مضيفاً "عندما أعزف الموسيقى في الأوركسترا، يزول لديّ الشعور بالتعب، فهي تحفّزني".

ويضيف "كنت أحلم منذ صغري بأن أصبح موسيقياً، واليوم استحال حلمي حقيقة".

وفي آب/أغسطس 2023، أي بعد عام تقريبا من انطلاق الفرقة الموسيقية، قدّم الأطفال عرضاً أمام رئيس ساحل العاج الحسن واتارا، احتفالاً بالذكرى الثالثة والستين لاستقلال البلاد.

وبينما يعزف الأطفال بعض النغمات الخاطئة، يؤدون بسهولة مقطوعة "لا مارش دي بريتر" ("مسيرة الكهنة")، وهي مقتطف من أوبرا موزار "لا فلوت انشانتيه" ("الناي السحري")، أو "كو دو مارتو" لتام سير، وهي أغنية ناجحة من كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم 2024.

وقدّموا كذلك حفلة موسيقية خلال الاحتفال الختامي لكأس الأمم الإفريقية الذي فازت به ساحل العاج.

وتقول ليلى كوليبالي "استمتعت بالعزف أمام جمهور كبير"، مضيفةً "كنت خائفة جداً للغاية، لكنني استعدت ثقتي بنفسي وانتابتني سعادة عارمة".

والأوركسترا المستوحاة من "إل سيستيما" الفنزويلي، وهي فرقة مواكبة موسيقية تتولاها مجموعة من الأطفال متأتيين من فئات مهمشة، أُنشئت بمبادرة من وزير العمل والحماية الاجتماعية أداما كامارا، الذي يتولى شخصياً تمويلها بشكل كامل.

- "إقناع الأهالي" -

يهتمّ قائد الفرقة الموسيقية فابريس كوفي بكلّ تلميذ منذ التدريبات الأولى.

ويقول "نتّخذ المسار المعاكس لما تعتمده الأوركسترا التقليدية"، مضيفاً "إذا كانت الفرقة في العادة عبارة عن تجمّع لأفضل الموسيقيين"، فإن فرقة أوديينيه تعلّم الأطفال الأساسيات، كالصولفيج وتقنيات العزف.

إلى ذلك، تكون "طريقة التعليم جماعية"، على عكس المعاهد الموسيقية التي تعطي الأولوية للدروس الفردية، وفق ما يقول مدرّس البوق جان كاليب كواديو.

وطريقة التعليم هذه يُعنى بها الأهل أيضا، لأن فكرة الأوركسترا لم تتوافق مرات كثيرة مع معتقدات عائلات محافظة.

ويقول عبد الرحمن دوكوريه الذي يؤدي دور الوسيط بين العائلات والأوركسترا "في البداية، كان الأهل مترددين بصراحة"، مضيفاً "كان البعض يقول إن الموسيقى لا تتوافق مع الدين الإسلامي"، الذي تعتنقه الأغلبية في المنطقة.

وتعيّن على ساراتا كانتيه، وهي عازفة بوق في بداية المراهقة، أن تقنع والديها.

وتقول والدتها ماوا كيتا "لقد أصرّت لأسابيع عدة" على العزف في الأوركسترا. 

ويوضح والدها عثمان كانتيه "لم يكن العزف ضمن أوركسترا ما أرغبه لمستقبل ابنتي"، خوفاً من "أن يلهيها ذلك بشدة" عن دراستها، معتبراً أن "المدرسة هي المكان الجادّ" للأطفال.

ويؤكد فابريس كوفي الذي اضطرّ بدوره لمعارضة والديه عندما كان أصغر سنّاً ليصبح عازف ناي أنّ "المسألة ليست بجعل الأطفال يتركون المدرسة" ليصبحوا موسيقيين، مضيفاً "على العكس، إن الموسيقى تجعلهم يتمتعون بإمكانيات للتفوّق في المدرسة".

وقد تحسّنت نتائج ساراتا المدرسية، وهي تحلم بأن تصبح "طبيبة بيطرية".

وفي ظل مستقبل غامض في بلد يعاني فيه الشباب من الفقر والبطالة، تقول ديبورا بودو إسرائيل، وهي معلّمة كمان، بتعجّب "ما يحدث سحري".

بام/رك/جك

Agence France-Presse ©