لم يكن أحد يتوقع أن تعلن إيران بهذا الشكل الفاضح تدخلها في الشؤون اللبنانية ونيتها التفاوض عن الدولة مع فرنسا حول القرار ١٧٠١. وهنا يطرح أكثر من تساؤل عن هذا التصريح الإيراني وتوقيته، بعد الخسائر الكبرى التي مُني بها الحزب من جراء الضربات الإسرائيلية المتتالية.
كلام رئيس البرلمان الإيراني ليس زلة لسان طبعاً، بل على العكس فإيران وفق مصادر تعبر عن رأيها دائماً بكل صراحة، وهي تحاول منذ زيارة وزير خارجيتها إلى لبنان أن تقول إنّ الأمر لا يزال لي في لبنان وغزة، وحتى في اليمن، فالسلاح سلاحي، والمال مالي، والتفاوض عندما يحصل فلن يكون إلا مع المسؤولين الإيرانيين، وأي تنازل داخلي لبناني وفق حسابات فريق "الممانعة" لم يحن وقته بعد.
وتتابع المصادر أن "كلام رئيس حكومة تصريف الأعمال وموقفه السيادي جاء متأخراً وكان يجب أن يصدر منذ أشهر، عندما بدأ "حزب الله" بمعركة "إسناد جبهة غزة"، فإيران لم تكن يوماً حريصة على السيادة اللبنانية، ولن تكون كذلك، ولا يخيفها موقف ميقاتي التي تعرف جيداً أنه موجه لصرفه في الداخل، ولا يمكن تحميله أكثر من ذلك". وتربط المصادر موقف إيران من الداخل اللبناني بنتائج الضربة الإسرائيلية المحتملة وحجمها.
والضربة الإسرائيلية قد تغيّر قواعد اللعبة في الداخل والخارج، وتفضي إلى تبديل في موقف القوى الداخلية كما ترجح مصادر أخرى مطلعة. وربما يوافق بعدها رئيس مجلس النواب نبيه بري على انتخاب رئيس للجمهورية قبل وقف إطلاق النار، ويتنازل حتى عن الرئيس التوافقي، الذي لن تقبل به بعد الآن القوى السيادية وفي مقدمها معراب، التي يبدو أنها أصبحت أشد صلابة من أي وقت مضى في الموقف من رئاسة الجمهورية.
وبالعودة إلى ميقاتي، فالرجل كان ينتظر موقفاً كهذا من إيران ليلتقط الفرصة ويحاول أن يقول أنا موجود، بعدما كان الأمر لـ"حزب الله" في كل مفاصل عمل الحكومة، ولم تكن الحكومة إلا "الصليب الأحمر الرسمي" الذي يحاول لملمة الجراح في حرب أُدخل فيها لبنان ولم يدخلها بقرار من حكومته وفق الدستور، فراح يتخبّط بمواقف وبيانات متعثّرة، تارة بثلاثية عين التينة المبتورة، وطوراً بتصريحات لا ترقى إلى مستوى القرارات المسؤولة التي تصدر عن دولة مسؤولة.
وعلى الرغم من ذلك، أعربت مصادر خارجية مطلعة على الملف أن العواصم الخارجية أبدت ترحيبا مبدئياً بموقف ميقاتي، لكنها بانتظار المزيد من المواقف والقرارات الحاسمة، والمقرونة بالأفعال، لا أن تبقى في إطار ردود الأفعال على المسؤولين في إيران، وخصوصاً في موضوع تفعيل دور الحيش في الجنوب، والمطالبة بشكل علني بتسليم سلاح "حزب الله"، وإلا فلا قيمة برأي هذه المصادر لما يصدر من تعليقات رسمية على مواقف دولة أخرى، فلبنان الرسمي مطلوب منه أن يقدم على ما يحفظ سيادته، لا أن تتحول رئاسة حكومته إلى معلّق سياسي، يؤيد ويعترض، من دون أي قرار!