إذا كان لبنان الرسمي اختار في السنوات الماضية، أن يخرج من تحت العباءة العربية وأن يقف في خندق الممانعة في وجه المجتمع الدولي بأسره، واضعاً كلّ القواعد التي يُفترض أن تربطه بالعالم الخارجي، وعلى رأسها القرارات الأممية وعدم تصدير ما يمكن أن يعرّض أمن أي دولة للخطر، على الرف، بما أن هذه الأصول لا تخدم محور المقاومة، فإن هذا العالم بالذات، الذي أدارت له بيروت ظهرها، يرفض اليوم أن يبادل لبنان الأمر ذاته.
انطلاقاً من هنا، هبّت العواصم الكبرى، وإن لاعتبارات مختلفة، إلى البحث عما يمكن فعله لوقف حمام الدم الذي يُغرق البلاد منذ اسابيع بعد أن انتهت حرب الإسناد المفترضة التي أطلقها "حزب الله" في 8 تشرين 2023، بحرب إسرائيلية شاملة على لبنان.
المساعي الدولية: تعاون لا خلاف
على هذا الخط، تنشط اليوم واشنطن وباريس وجامعة الدول العربية وتحديداً الرياض وقطر. وفي هذا الإطار، تنفي مصادر مطّلعة على المساعي الدولية لوقف النار، عبر "نداء الوطن"، وجود أي خلاف او تَعارُض بين القوى التي تعمل للتهدئة، بل على العكس.
وتشير مصادر إلى ان نواة هذه الاتصالات، تتمثل بالقرار 1701 وما يُجمع عليه المجتمع الدولي هو ضرورة التثبت من تنفيذه بعد التجربة الفاشلة منذ دخوله حيز التنفيذ عام 2006، كما قال المبعوث الأميركي آموس هوكستين من بيروت الاثنين. فواشنطن لا تريد التخلي عن الـ1701، بل تتمسك بتطبيقه، وبالتالي أي وجود عسكري لـ"حزب الله" جنوبي الليطاني ممنوع. كما تبحث مع باريس والعواصم العربية وبيروت، في الصيغة التي تتيح الوصول الى الأمر الواقع الميداني الجديد، بما أن إسرائيل لن توقف الحرب قبل أن تتأكد من قضائها على التهديد الذي يمثّله "الحزب" لها ولأمنها وأمن مستوطناتها.
آلية التطبيق النقطة الأساس
إن آلية التطبيق التي تعتبر النقطة الجوهرية كانت مدار بحث معمق الإثنين بين هوكستين وأمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، وقبلهما رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، والمسؤولين اللبنانيين. وعلمت "نداء الوطن" أن الأميركيين، لا يؤيدون، إنما لا يمانعون إشراف الجانب الإسرائيلي على تطبيق مندرجات القرار الأممي جنوبي لبنان وهو ما تُطالب به تل أبيب، بينما ترفض باريس والعواصم العربية هذا الأمر لمعرفتهما استحالة أن يمر لدى "الحزب"، وتفضلان تعزيز صلاحيات اليونيفيل والجيش اللبناني، فيتوليان هذه المهمة.
مؤتمر باريس يلاقي جهود وقف النار
تتابع المصادر، تتقاطع جهود التهدئة، مع مؤتمر باريس الذي يعقد غداً، خلافاً لما يُروَّج عن خلاف دولي حوله. فالمؤتمر الذي دعت إليه فرنسا، سيسعى ليس فقط الى تأمين مساعدات إنسانية للبنان المنكوب، بمشاركة دولية عربية خليجية وغيابٍ ايراني، بل سيحشد أيضاً الدعم للجيش اللبناني بحيث يصبح أكثر قدرة وأهلية لتولي زمام الأمور على الحدود، بعد وقف النار. ووفق المصادر، فإن الولايات المتحدة الأميركية التي ستغيب عن المؤتمر هي من أكبر الداعمين للجيش اللبناني، أي أنها لا تعارضه أبداً في المضمون بل لديها طرق مختلفة لإيصال الدعم، وهو ما أبلغه هوكستين شخصياً الى قائد الجيش العماد جوزيف عون الإثنين.
لكن مهما عظمت قدرات الجيش، يعلم الموفدون الدوليون جيداً أن حجم هذه القدرات ليس الأساس في تسليمه الحدود، وأن الكلمة الفصل في مسألة وجود "الحزب" على الحدود، هي في طهران لا في بيروت. وفي هذا السياق تشير المصادر إلى اتصالات قائمة اليوم بين باريس وطهران، لإقناعها بتسهيل مسار وقف النار، عبر الموافقة على تراجع "الحزب" الى شمال الليطاني مقابل انتشار الجيش واليونيفيل جنوبه. فهل ستقبل إيران بالتخلي عن هذه الورقة؟ أم أن ساعة وقف قتل اللبنانيين وتدمير لبنان، لم تدقّ بعد في طهران؟