أراد المجتمع الدولي من خلال مؤتمر باريس ان يدفع حصته الإنسانية من فاتورة الحرب، فالمساعدات المقَدَّمة في المؤتمر والتي قدرت بمليار دولار، قد لا تسدّ الحاجة الفعلية التي ينتظرها لبنان، سيّما وأن الحرب مستمرة وغير محددة بإطار زمني، فلبنان يحتاج 250 مليون دولار شهرياً ما يعني وبحسب وزير البيئة ناصر ياسين أن الحساب مفتوح ومرتبط بالمدى الزمني للحرب، وكل ما يأتي إلى لبنان كمساعدات سيكون أشبه بدفعة على الحساب.
لذلك يفترض بالحكومة المتهالكة، ان تتطلع إلى ما هو أبعد من المساعدات الفورية، بل إلى ما يساهم في التعافي المتوسط والطويل الأجل، خصوصاً ان نتائج الحرب المدمرة على الاقتصاد اللبناني لا تقتصر على فترة زمنية محددة بل ستستمر لسنوات.
هذا في المنطق، انما تجارب الحكومات المتتالية اثبتت عجزاً وفشلاً في تدوير الزوايا الاقتصادية فهي لا تكاد تنظر أبعد من أنف مصالحها وسمسراتها وصفقاتها وموازناتها الاعتباطية، كما ان التجارب مع المؤتمرات الدولية على غرار مؤتمر باريس في 2020 وسيدر في 2018 غير مشجعة علىى الإطلاق، والسبب في ان المنظومة السياسية ترى فيها مناسبة للتسول بدلاً من الاستفادة منها لبناء اقتصاد قادر.
هذا العجز الفاقع في المعالجة وغياب القطاع المصرفي عن ممارسة عمله الطبيعي منذ الانهيار معطوفين على الاقتصاد النقدي الذي يعتمده الحزب، كلها أمور ساهمت في ادراج لبنان على اللائحة الرمادية كما كان متوقعاً من قبل مجموعة العمل المالي الدولية (FATF ) في ختام اجتماعاتها الدورية التي عقدتها في باريس. وسوف يُمنح البلد فترة سماح تمتد لغاية كانون الثاني 2026 لكي ينفذ الإجراءات والإصلاحات المطلوبة منه، وفق ما كان كشفه رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي أمام زواره قبيل مغادرته بيروت.
وتزامن صدور قرار الإدراج على اللائحة الرمادية مع وجود وفد مصرفي لبناني في واشنطن أجرى اتصالات مع مسؤولي المصارف العالمية المراسلة لضمان عدم وقف التعاون مع القطاع المالي اللبناني. وعلمت "نداء الوطن" ان الوفد حصل على تطمينات لجهة استمرار التعاون، بما يعني أن اضرار اللائحة الرمادية ستكون محدودة، لأن لبنان لن يُعزل مالياً عن الأسواق العالمية.
وتبدو معالجة أزمة اللائحة الرمادية لتحاشي الوصول الى اللائحة السوداء والتي تعتبر تداعياتها ثقيلة وخطيرة، غير مضمونة لأن أحد أسباب الإدراج تتعلق بـ"حزب الله"، والاقتصاد النقدي الذي يعتمده "الحزب"، بالإضافة الى غياب القطاع المصرفي عن ممارسة عمله الطبيعي منذ الانهيار.
كذلك يحتاج لبنان الى معالجة مسألة استقلالية القضاء، لكي تتمكّن المحاكم من إصدار الاحكام في ملفات دعاوى تبييض الأموال. فهل السلطة اللبنانية في وضعها الراهن مؤهلة لمعالجة ملفين بهذا الحجم والتعقيد، أم بات الوصول إلى اللائحة السوداء مجرد وقت؟ (تفاصيل ص 8).
حال المشهد السياسي والتحركات الديبلوماسية وصولات رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي سعياً إلى انتزاع قرار وقف إطلاق النار لا تبدو أفضل حالاً من اللائحة الرمادية، فهي حتى اللحظة سوداء قاتمة لا توحي بأي انفراج قريب وتصطدم بتعنت "حزب الله" في الإذعان للميدان وجنون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المصر على انهاء "حزب الله" عسكرياً وتحديد قدراته.
وفي هذا السياق أصر الرئيس ميقاتي بعد لقائه وزير الخارجية الاميركية أنتوني بلينكن في لندن على أولوية وقف اطلاق النار والتزام لبنان بتطبيق القرار 1701 من دون تعديل. وأشار إلى ان المطلوب "التزام حقيقي من اسرائيل بوقف اطلاق النار، لأن التجربة السابقة في ما يتعلق بالنداء الاميركي - الفرنسي المدعوم عربياً ودولياً، لوقف إطلاق النار اثرت على صدقية الجميع". فيما الوزير الاميركي أكد مساعي واشنطن لايجاد حل ديبلوماسي لوقف فوري لإطلاق النار والتزام كل الأطراف بالقرارات الدولية. وأعرب "عن دعم الولايات المتحدة للمؤسسات الحكومية لا سيما الجيش والقوى الامنية" وشدد على "أهمية الدور المناط بالجيش في تنفيذ القرار 1701".
ميقاتي الذي يواصل جولته الاوروبية، التقى نظيره الايرلندي سيمون هاريس في العاصمة الايرلندية دبلن الذي شدد على ان بلاده طالبت عبر المنظمات الدولية والاتحاد الاوروبي بالضغط لوقف إطلاق النار في لبنان ومطالبة كل الاطراف بتطبيق الـ 1701.
اما الإتحاد الاوروبي وعلى لسان مسؤول السياسة الخارجية فيه جوزيب بوريل، فحمّل "حزب الله" وإيران مسؤولية عدم تنفيذ القرار 1701 واعتبر ان استعادة سيادة لبنان تقتضي نشر الجيش في الجنوب.
الموقف ذاته ردده المبعوث الاميركي آموس هوكستين بعد جولته الأخيرة، مشدداً على "وجوب السماح للقوات المسلحة اللبنانية بالانتشار فعليّاً في جنوب لبنان والقيام بوظيفتها" ومعلناً أنه "يمكن إنهاء الحرب بين إسرائيل ولبنان وفق القرار 1701" .
انما واقع الميدان لا يوحي الا بمزيد من التصعيد. فقد تواصلت الغارات الاسرائيلية على لبنان مخلفة المزيد من الدمار والقتل الذي استهدف الطواقم الإعلامية، للمرة الثالثة منذ بدء حرب الإسناد. فقد أدت الغارة الاسرائيلية على مقر إقامة الصحافيين في حاصبيا جنوبي لبنان إلى مقتل المصور في "الميادين"، غسان نجار، ومهندس البث في القناة محمد رضا والمصور في قناة "المنار" وسام قاسم.
فريق عمل الـMTV كان متواجداً داخل المكان المستهدف ونجا بأعجوبة وقد كشفت مراسلة الـ MTV الصحافيّة يمنى فوّاز لـ"نداء الوطن" أنّ المستهدف ليس قناة "الميادين" فحسب، فالتوقيت خير دليل على أنّها رسالة تهديد مباشرة للمراسلين كافة". وأشارت إلى أنّه بعد العملية، لم يتلقّ الصحافيّون أيّ اتصال من قبل الأجهزة الأمنيّة، معتبرةً أنّ لا أحد يرعاهم ويحميهم في هذه المرحلة سوى الصليب الأحمر الذي كان أوّل الحاضرين إلى مكان الاستهداف. مرة جديدة قُدّر للإعلام الحر ان يدفع ثمن مبادئه وقضيته مرتين في هذا البلد، من الداخل حملات تخوين معيبة ومن اسرائيل استهداف مباشر بالنار.