نايف عازار

بعد إلحاح واشنطن وإذعان تل أبيب

هل يُرمّم "الردّ المدوزن" صورة الردع المهشّمة؟

4 دقائق للقراءة
مقاتلة إسرائيليّة تستعدّ للمشاركة في الضربات على إيران السبت (رويترز)

نجحت الإدارة الأميركية، رغم أنها تعدّ أيامها الأخيرة وبعد جهود مضنية في اقناع رأس الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة بنيامين نتنياهو، بتحييد المنشآت النووية الإيرانية كما الأهداف النفطية ورموز الحكم في الضربة الإسرائيلية الأخيرة على إيران. فنتنياهو انصاع للالحاح الأميركي وابتعد عن سيناريو إيلام النظام الإيراني، واكتفى بردّ مدوزن ومدروس للغاية جعل طهران تتفاخر بأنها تصدّت للعدوان الإسرائيلي، بينما جزمت تل أبيب أنها وجّهت ضربة قاصمة للدفاعات الجوّية الإيرانية ومخازن الصواريخ ومصانع انتاجها.



الهجوم الإسرائيلي الذي شمل 20 هدفاً، شُنّ على ثلاث موجات استمرّت قرابة ثلاث ساعات، شاركت فيه عشرات المقاتلات الإسرائيلية التي زوّدت بالوقود جوّاً، وهي المرّة الأولى التي تشنّ فيها إسرائيل هجوماً جوّياً على أهداف في إيران في عدّة مواقع شملت أهدافاً قريبة من العاصمة طهران. وبينما استهدفت إسرائيل في الموجة الأولى منظومات الدفاع الجوّي لتقليل خطر استهداف الطائرات في الموجات اللاحقة، تمثّلت أهداف الموجتَين الثانية والثالثة في منشآت الإنتاج ومستودعات تحت الأرض تُخزّن فيها الصواريخ الباليستية الطويلة المدى والطائرات المسيّرة.


فريسة سهلة

الصحافة الإسرائيلية تفاخرت بمعظمها بالهجوم الجوّي ورأت فيه رسالة لا لبس فيها مفادها أن يد إسرائيل يُمكنها أن تطول أي مكان في إيران التي تكاد تكون جُرّدت من أنظمة دفاعاتها الجوّية، وهي بالتالي قد تُصبح فريسة سهلة للمقاتلات الإسرائيلية في أي موجة قصف جديدة قد تعقب أي ردّ إيراني جديد.



فقد اعتبر تامير هايمن، الكاتب في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن الهجوم على إيران حمل رسائل واضحة إلى النظام الإيراني، سواء على المستوى العملاني أو الاستراتيجي، إذ إنّ إسرائيل هاجمت مكوّنات حيوية في صناعة صواريخ أرض - أرض الإيرانية، فضلاً عن تدمير منظومات دفاع جوّية، ما يعني انكشاف إيران أمام أي هجمات مستقبلية لسلاح الجو الإسرائيلي. كما رأى هايمن أن القدرة الهجومية الإسرائيلية أثبتت تفوّقها أمام القدرة الدفاعية الإيرانية، وزعم أن إسرائيل نجحت في ضرب كلّ الأهداف داخل إيران. وخلص الكاتب الإسرائيلي إلى أن التصعيد نحو معركة واسعة النطاق هو اليوم في يد المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي الذي سيُقرّر إن كان يرغب في الاستمرار في طريق التصعيد أم سيحدّ من ألسنة اللهب. فإذا قرّر المضي بالتصعيد، فهذا يعني أن تل أبيب ستضرب أهدافاً أخرى في ردّها الجديد بعد توجيه ضربة موجعة للدفاعات الجوّية الإيرانية في ردّها الأخير، وإذا قرّر عدم الردّ، فمعنى ذلك ضعف تاريخي.


كتاب مفتوح للاستخبارات

في صحيفة "هآرتس"، كتب يوسي ميلمان أن الهجوم أزال الضغط الذي كان يتراكم على إسرائيل لسنوات، بعدما صوّرت السيناريوات الكارثية سابقاً أن تنفيذ هجوم جوّي إسرائيلي على إيران يُمكن أن يؤدّي إلى إسقاط طائرات وأسر طيارين أو حتّى مقتلهم، لكن هذا لم يحدث، وأثبتت إسرائيل مرّة أخرى تفوّقها الجوّي والاستخباراتي.


وأضاف ميلمان أنه رغم تباهي القادة الإيرانيين بقدراتهم، فإنّهم يعرفون حقيقة حجمها، كما يعرفها معظم الشعب الإيراني، فهم يعيشون في دولة مخترقة من الناحية العسكرية والاستخباراتية، وهي بمثابة كتاب مفتوح أمام الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية التي تتعاون منذ سنوات لمواجهة الجمهورية الإسلامية. أمّا في الجانب الإسرائيلي، فاعتبر ميلمان أن نتنياهو ورغم ارتفاع منسوب ثقته بنفسه أخيراً، وميوله "المسيانية"، وأحياناً تصريحاته الحادة التي يُطلقها ضدّ واشنطن، والتي فيها أكثر الإدارات الأميركية دعماً لإسرائيل عبر التاريخ، فهو يُدرك تماماً حدود قوّة إسرائيل واعتمادها على الولايات المتحدة وأهمية احترامها.



ترميم صورة الردع

الكاتبان في القناة N12 الإسرائيلية عاموس يادلين وأودي أفينتال، اعتبرا أن ما حدث هو نجاح باهر لإسرائيل سيُساعدها في ترميم صورة الردع إزاء إيران والمنطقة، لكن "يجب ألّا نشعر بالنشوة كثيراً، خصوصاً في ما يتعلّق بإيران، الدولة الكبيرة ذات القدرات الصاروخية المذهلة، والصبر الاستراتيجي، والاستعداد للتضحية".



وأضاف الكاتبان أنه في إطار الهجوم، أظهر الجيش الإسرائيلي قدرة عملانية تملكها الدول الكبرى فقط، ولا سيّما في ما يتعلّق بالتخطيط المعقّد والاستخبارات النوعية وكمّ السلاح الكبير خلال هجمات على أهداف بعيدة تقع على مسافة حوالى 1600 كيلومتر، بحيث مرّت الطائرات بدول، وتزوّدت بالوقود جوّاً.



وختم الكاتبان أنه بعد الهجوم، يبقى التحدّي الذي تواجهه إسرائيل منع نشوب حرب استنزاف في مواجهة إيران، واستخدام الإنجاز الأخير من أجل إغلاق الحساب معها ولجم التدهور نحو حرب إقليمية متعدّدة الجبهات يُثيرها المستوى السياسي في إسرائيل بيديه.