التنظير... هل انتهى عصره؟

12 : 04

طرح بحث ثوري تقنية تصوير مبتكرة تستعمل الموجات فوق الصوتية لعرض صور عميقة بطريقة غير غازية. يُعتبر التنظير راهناً من أكثر الوسائل شيوعاً في مجال التصوير الطبي. تتعدد استعمالاته، منها تشخيص الأمراض التي تصيب الرئتين، والقولون، والحلق، والجهاز الهضمي.

أثناء التنظير، يدسّ خبراء الطب المنظار (أنبوب طويل ورفيع مزوّد بضوء قوي وكاميرا مصغّرة على طرفه) في فتحة صغيرة، مثل الفم أو شق ضئيل يُحدِثه الجراح. إنها عملية غازية، ولو بالحد الأدنى، ويمكن أن تكون مزعجة وتترافق أحياناً مع مجموعة مخاطر. تتعدد الآثار الجانبية المحتملة للتنظير، منها الخدر المفرط، والتشنجات، والألم المتواصل، أو حتى انثقاب الأنسجة والنزيف الداخلي الخفيف.

لكن يمكن أن يضع اكتشاف مبتكر الآن حداً للتنظير بالكامل. تعاون ميسم شامانزار، أستاذ مساعِد في الهندسة الكهربائية والمحوسبة في جامعة "كارنيجي ميلون" في "بيتسبيرغ"، بنسلفانيا، مع ماثيو جوزيبي سكوبيليتي، باحث حائز شهادة دكتوراه في القسم نفسه، لتصميم تقنية تصوير غير غازية بالموجات فوق الصوتية، ويبدو أنها قد تصبح بديلة عن التنظير.

عرض الباحثان تفاصيل تقنيتهما الجديدة في مجلة "الضوء: العلوم والتطبيقات"، وأوضحا أن النسيج البيولوجي يشكّل بيئة كثيفة وسميكة، لذا يُضعِف إمكانات الوسائل البصرية.

يكون النسيج مصنوعاً على وجه التحديد من جزيئات وأغشية كبيرة ويحدّ من عمق التصوير البصري ودقّته، لا سيما في نطاق الطيف المرئي والمقارِب للأشعة تحت الحمراء.

لكن تستعمل التقنية الجديدة من جهتها الموجات فوق الصوتية لتصميم "عدسة افتراضية" في الجسم بدل دسّ عدسة ملموسة. يستطيع المعالج تعديل العدسة عبر تغيير موجات الضغط فوق الصوتية داخل البيئة المستهدفة، ما يسمح بالتقاط صور عميقة وغير مسبوقة استناداً إلى وسيلة غير غازية.

تستطيع الموجات فوق الصوتية أن تضغط البيئة التي تخترقها أو تُفرّغها. يتنقل الضوء بوتيرة أبطأ في البيئات المضغوطة، وبوتيرة أسرع في البيئات المُفرّغة.

تمكّن الباحثون من ابتكار العدسة الافتراضية عبر استعمال أثر الضغط والتفريغ هذا: "فيما تنتشر الموجات فوق الصوتية في البيئة المستهدفة، تتغير كثافتها وبالتالي مؤشرها الانكساري الموضعي. تنضغط البيئة في مناطق الضغط المرتفع، ما يؤدي إلى زيادة مستوى الكثافة، بينما يتم تفريغها في مناطق الضغط السلبي حيث تتراجع الكثافة الموضعية. نتيجةً لذلك، تنتج موجات الضغط الدائمة تبايناً على مستوى مؤشر الانكسار الموضعي".

كذلك، قد يؤدي تعديل الموجات فوق الصوتية أو إعادة تشكيلها من الخارج إلى تحريك العدسة داخل البيئة، ما يسمح لها بالوصول إلى مناطق مختلفة والتقاط الصور بأعماق متنوعة.

يقول شامانزار: "استعملنا الموجات فوق الصوتية لصقل العدسة البصرية الافتراضية البديلة داخل أي بيئة مستهدفة، على غرار النسيج البيولوجي مثلاً. لذا يتحول النسيج إلى عدسة تساعدنا على التقاط وبث صور أعمق الهياكل".

كشف الباحث أيضاً عن طريقة عمل التقنية الجديدة وما يجعلها خطوة متقدمة لمشاهدة الأجزاء الداخلية من الجسم. تتعدد تطبيقاتها المحتملة، منها تصوير الدماغ، وتشخيص الأمراض الجلدية، ورصد الأورام في أعضاء متنوعة. يمكن أن تشمل هذه الطريقة جهازاً محمولاً باليد أو رقعة جلدية، بحسب المنطقة التي تحتاج إلى المراقبة.

من خلال وضع الجهاز على سطح الجلد بكل بساطة، يستطيع خبراء الرعاية الصحية الحصول على صور للأعضاء الداخلية، من دون مواجهة أي آثار جانبية محتملة أو الشعور بالانزعاج الذي يُسببه التنظير. يضيف شامانزار: "من خلال تصوير أعضاء مثل الدماغ، من دون الحاجة إلى دس عناصر بصرية ملموسة، يمكن الحصول على بديل مهم عن زرع المناظير في الجسم بطريقة غازية. من المتوقع أن تُحدِث هذه التقنية ثورة في مجال التصوير الطبي الحيوي".

يقول سكوبيليتي من جهته: "لطالما اعتُبِرت البيئة الكثيفة عائقاً أمام التصوير البصري. لكننا أثبتنا أن هذه البيئة يمكن أن تصبح حليفتنا لتسهيل وصول الضوء إلى الموقع المستهدف. حين نُنشّط الموجات فوق الصوتية بالنمط المناسب، تصبح البيئة الكثيفة شفافة فوراً. لا مفر من أن نشعر بالحماسة لمجرّد التفكير بأثر هذه الطريقة على مجموعة واسعة من المجالات، بدءاً من التطبيقات الطبية الحيوية وصولاً إلى الرؤية الحاسوبية".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.