رمال جوني

تدمير ممنهج للإرث والهوية

النبطية تاريخ لا يموت رغم الدمار

3 دقائق للقراءة

النبطية - كأنه حلم تحوّل إلى كابوس. من مدينة تنبض بالحياة إلى مدينة منكوبة. هكذا اغتالت إسرائيل مدينة النبطية. دمّرت كلّ شيء فيها، اقتصادها، تجارتها، أسواقها، محالها وحتى منازلها التراثية.



وحده الركام يُرافقك في شوارع النبطية التي تتعرّض لحرب إبادة. لقد دمّرت إسرائيل سوق النبطية الأثرية، التي تعود إلى القرن التاسع عشر، ومعها دُمّر الكثير من البيوت التاريخية. قد تكون النبطية الأكثر تدميراً من باقي المدن الجنوبية، فالعدوان الإسرائيلي لم يدمّر محالها التجارية فحسب، بل دمّر تاريخها عن سابق إصرار وتصميم. قضى على إرثها الثقافي والتجاري. متاجرها ومحالها وفق الباحث علي مزرعاني "ذاخرة بالذكريات النبطانية العتيقة، تروي حقبة من تاريخ هذه المدينة وتطوّرها".



يعود تاريخ سوق النبطية أو وسطها التجاري للعصر المملوكي، وتُعدّ "سوق الإثنين" الشعبية فيها من الأقدم في لبنان، تعود إلى حوالى 500 عام، وكانت تُشكّل نقطة التقاء للناس والباعة والتجّار. هذه السوق نسفتها الغارات الإسرائيلية التي طاولت الوسط التجاري للمدينة. يقول مزرعاني إنّ "ذاكرة المدينة كانت في بعض هذه المحال التي دُمّرت. كلّ متجرٍ كان عبارة عن قنطرة، وفي آخره يوجد الخان القديم". ويشدّد مزرعاني على أنّ "تدمير الإرث والهوية الثقافية للنبطية، يندرج في سياق سعي إسرائيل إلى محو ذاكرة القرى الجنوبية".



ليست المرّة الأولى التي يتعرّض فيها الوسط التجاري في النبطية للتدمير، لكنها الأعنف والأسوأ، ويشير مزرعاني إلى أنّ "السوق تعرّضت لاعتداءات 1977، واجتياح 1982، وحرب 1993 و1996 وحرب تموز 2006، غير أن اعتداء اليوم غيّر معالمها كلّها. يضيف مزرعاني قائلاً: "الكثير من المحال التراثية ليست عبارة عن كومة حجارة بل هي جزء من حياتنا وحياة أهل النبطية".



من الوسط التجاري تتفرّع الطرقات نحو أحيائها الداخلية مثل "حيّ البياض" و"الراهبات" و"الميدان" و"السراي" وغيرها. أحياء تحتضن داخلها بيوتاً تراثية قديمة جدّاً، تروي بعضاً من تاريخ المدينة. هذه البيوت دمّر الإسرائيلي معظمها، ومن بينها منزل سعيد شاهين في حيّ الميدان، وهو من أهم المنازل التاريخية، الذي شُيّد في عشرينات القرن الماضي. لم يبقَ منه سوى بركة حجرية صغيرة، تقف على أطلاله. يوضح مزرعاني أنّ هذا المنزل "ليس مجرد حجارة، بل يشكّل جزءاً من تاريخ النبطية السياسي، حيث أنجب نائبين هما غالب وفهمي شاهين".



ومن البيوت التراثية التي دمّرها الجيش الإسرائيلي، منزل محمد بك الفضل الذي دمغ اسمه على علم الاستقلال، وقد أدرجته الدولة اللبنانية على لائحة الأبنية التراثية اللبنانية. هذه الجريمة يضعها مزرعاني في خانة "قتل المدينة ومنع الحياة فيها"، مؤكّداً في المقابل أنّ "تاريخ النبطية لا يموت رغم كلّ الدمار". يضيف: "اغتالت اسرائيل النبطية، تاريخها، حضارتها، تراثها واقتصادها. تغيّرت معالم هذه المدينة التي انطلقت منها انتفاضة عاشوراء ضدّ المحتل في ثمانينات القرن الماضي، وكأن إسرائيل تنتقم منها اليوم". وختم مزرعاني: "اغتيال تاريخ وإرث النبطية الذي يفوق عمره مئات السنين يأتي في سياق محو تاريخ القرى، ويجهد الإسرائيلي لإزالة هذا التراث كي يقضي على كل شيء يتعلّق بالجنوب وأهله. إنها إبادة للتاريخ".