تشارلز ليبسون

جو بايدن أمام ثلاثة خيارات محفوفة بالمخاطر

5 أيلول 2020

المصدر: REAL CLEAR POLITICS

02 : 01

تثبت رحلة جو بايدن السريعة إلى "بيتسبرغ" وخطابه هناك يوم الإثنين الماضي لإدانة أعمال العنف في المدينة، أن الديمقراطيين باتوا يدركون اليوم أنهم ارتكبوا خطأً فادحاً حين تجاهلوا هذه المشكلة خلال مؤتمرهم الحزبي. لقد قرأوا استطلاعات الرأي وفهموا أخيراً أن الناخبين يهتمون بالحرائق المتعمدة وحوادث إطلاق النار وعمليات النهب وبسلامتهم الشخصية أيضاً. هذه الاهتمامات تطرح مشكلة على حملة بايدن لأنها لم تذكر شيئاً عن العنف طوال الصيف. بدأ الديمقراطيون يعيدون النظر بمقاربتهم الآن، لكنّ الفوضى المحيطة بهم لا تزال عارمة.

صرّح مرشّح الديمقراطيين للرئاسة أمام الحاضرين في جامعة "كارنيغي ميلون": "أعمال الشغب ليست احتجاجاً، والنهب ليس احتجاجاً، وإضرام الحرائق ليس احتجاجاً... إنها أعمال فوضى بكل بساطة". هذا صحيح، لكن كان الوضع كذلك قبل أسبوعين أو شهرين. حتى أن هجوم بايدن في الوقت الراهن لا يرفض العنف بقدر ما يستهدف الرئيس ترامب، على اعتبار أنه مسؤول عن "التحريض ونشر الفوضى". قال بايدن: "بكل بساطة، فشل دونالد ترامب في حماية الولايات المتحدة. لذا يحاول اليوم إخافة البلد".

يثبت استعداد بايدن لمغادرة مدينته خلال وقتٍ قصير والسفر إلى ولاية متأرجحة للتكلم عن أعمال الشغب أن المنافسة الانتخابية بدأت تزداد صعوبة. تُعتبر مناقشة أعمال العنف جزءاً من ثلاثة قرارات كبرى وصعبة يواجهها بايدن تزامناً مع احتدام الحملة الانتخابية. يحمل كل خيار منها مخاطر بارزة على أي مرشّح مُكلّف بالحفاظ على ائتلاف متصدّع وتجنب الهفوات الكبرى.

أولاً، يجب أن يبتكر بايدن طريقة فاعلة لإدانة أعمال العنف في المدن من دون المجازفة بإبعاد قاعدة الناشطين التي تنتمي إلى حزبه وتؤيد بقوة حركة "حياة السود مهمة". أصبحت المعضلة السياسية المطروحة واضحة. يشعر الناخبون العاديون (أي المجموعات الوسطية التي يحتاج بايدن إلى دعمها لتحقيق الفوز) بالنفور من أعمال النهب والحرائق المتعمدة والاعتداءات على الشرطة، علماً أن وسائل الإعلام الإخبارية بدأت تغطي للتو هذه الأحداث بنزاهة، ولو على مضض. يختلف الوضع حين تقع تلك الأحداث في مدن تقدمية جداً على الساحل الغربي. ما يحصل في "بورتلاند" مثلاً يبقى في "بورتلاند"، من الناحية السياسية على الأقل. لكنّ ما يحصل في "مينيابوليس" أو "كينوشا" يؤثر على معقل الحزب، لا سيما في الولايات المتأرجحة في الغرب الأوسط العلوي.

حين رفض الديمقراطيون الاعتراف بحصول أعمال شغب خلال مؤتمرهم الحزبي الممتد على أربعة أيام، بدا وكأنهم يتخذون موقفاً خاطئاً من هذه المسألة، واتّضح أيضاً أنهم بعيدون عن واقع المواطنين ولا يفقهون شيئاً عن اهتمامات الأميركيين العاديين. يُفترض ألا يحتاج السياسيون إلى استطلاعات الرأي ومجموعات التركيز كي يدركوا أن حرق مقرات الشرطة وتدمير نوافذ المتاجر ومهاجمة المحاكم ممارسات خاطئة. ويُفترض ألا يحتاجوا إلى سماع مذيع قناة "سي إن إن" دون ليمون أو قراءة صحيفة "نيويورك تايمز" كي يدققوا بنتائج استطلاعات الرأي ويدركوا أن هذا الوضع ينعكس سلباً على حزبهم. لكن هذا ما حصل على أرض الواقع.





اليوم، أصبح بايدن مضطراً لتوجيه رسالة رابحة عن أعمال العنف، مع أن الجمهوريين ينتقدونه لأنه انتظر طويلاً قبل إصدار هذا النوع من المواقف. هو يواجه معضلة صعبة: إذا كانت رسالته أقوى من اللزوم، سيتصدى له أعضاء المعسكر اليساري في حزبه لأنهم لا يثقون به بعد، وهو يحتاج إلى دعمهم القوي لتحقيق الفوز. لكن إذا كانت رسالته أضعف من اللزوم، فلن يقنع الناخبين الوسطيين مع أنه ينوي في الأساس أن يعيد إرساء القانون والنظام في الشوارع القريبة منهم. هم لا يريدون أن يسمعوا كلامه المألوف عن مسؤولية ترامب عما حصل أو ضرورة حل المشاكل العالقة منذ عقود قبل استرجاع النظام الاجتماعي.

يريد الأميركيون أن يتأكدوا من قدرتهم على السير بكل أمان نحو المتجر في زاوية الشارع أو التسوق في وسط المدينة أو الجلوس بكل بساطة أمام مدخل منازلهم. هم يريدون أن تمارس الشرطة مهامها بعيداً عن الاعتبارات العرقية ويطالبون بمحاسبة العناصر الفاسدة. قد لا يحبذون استعمال القوة المفرطة ويؤيدون حماية المحتجين السلميين، لكنهم يعتبرون الجهود الشاملة لوقف تمويل الشرطة مقاربة خطيرة.

لا يعرف هؤلاء الأميركيون رأي بايدن حول هذه المسائل، وهذا الوضع يزيد مشاكله تعقيداً. لا يكفي أن يلوم ترامب أو يتردد في حسم قراره حول عنصرية الشرطة المنهجية أو ضرورة تخفيض ميزانيتها. لقد انزعج الناس من انتظار بايدن لأسابيع قبل أن يتكلم أخيراً عن مسألة يعتبرها الآن "بسيطة وبديهية".

ثانياً، يجب أن يطرح بايدن أجندة واضحة حول مجموعة كاملة من المواضيع البارزة. لن يكون اعتبار ترامب "خطيراً" موقفاً كافياً. اكتفى الديمقراطيون خلال مؤتمرهم بهذه المقولة لكنهم لم يستفيدوا شيئاً. يحبذ مناصرو الحزب الأوفياء هذا الموقف لكنه لا يكفي لضمان فوز الديمقراطيين.

هذا الصمت يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تردد الديمقراطيون لهذه الدرجة في التخلي عن تلك الرسالة السلبية ويحرصون حتى الآن على إضعاف برنامج حزبهم؟ عملياً، يبدو أن تماسك الحزب يتوقف على معارضته لدونالد ترامب بدل أن يرتكز على أجندة مشتركة. عند التدقيق ببرنامجه الانتخابي، قد يبدو الأكثر تطوراً مقارنةً بأي حزب بارز آخر في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه لم يكن كافياً بنظر مناصري بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز وإليزابيث وارن. صوّت حوالى ألف مندوب في المؤتمر الحزبي ضد ذلك البرنامج ولم يتكلم ممثلو الحزب عنه بالتفصيل أصلاً. باختصار، كان البرنامج يسارياً أكثر من اللزوم ويصعب أن يقبله الناخبون العاديون. يبدو أن الجمهوريين إذاً سيستعملون برنامج الديمقراطيين ضدهم.

ثالثاً، هل يستطيع بايدن أن يجازف بالتخلي عن شاشة التلقين ومفكرته المريحة؟ لتجديد الحماسة بين الناخبين، يجب أن ينخرط في الحملة الانتخابية شخصياً ولا يكتفي بقراءة ملاحظات مُحضّرة مسبقاً. لكن تحمل هذه المقاربة مخاطر تختلف عن تداعيات تفسير سياساته. لا تقتصر المشكلة الحقيقية على نزعته القديمة إلى ارتكاب الهفوات، بل إن تلك الهفوات التي يقوم بها نائب الرئيس السابق الذي يبلغ 77 عاماً تترافق في معظم الأحيان مع مظاهر الارتباك والنسيان وغياب التركيز. يتساءل الناخبون اليوم إذا كان الرجل نفسه الذي يتذكرونه من العام 2008 أو 2012. هل يتمتع بالحيوية والمهارات العقلية اللازمة لاستلام أصعب منصب في العالم؟ ستكون النتيجة كارثية إذا ظن الناخبون أنه بالكاد يستطيع إدارة متجر محلي.





يجب أن يمنع بايدن ترسيخ هذه الصورة عنه. لم تنفعه ملازمة المنزل، لذا قرر السفر إلى «بيتسبرغ» ونظّم رحلة أخرى لوقتٍ لاحق من هذا الأسبوع. قد يضطر لدفع ثمن معيّن مقابل رفضه المشاركة في البرامج الحوارية يوم الأحد وحرصه على تجنب المواقف التي تفرض عليه الإجابة على أسئلة شائكة. في آخر شهرَين، اكتفى بتلقي أسئلة من المراسلين مرتين. هو يفضّل المقابلات السهلة لكنه يتكل أيضاً على الملاحظات المدوّنة مسبقاً للإجابة على الأسئلة فيها، فيلقي نظرة خاطفة على النقاط المتفق عليها بطريقة محرجة ويبذل قصارى جهده لتجنب الردود المرتجلة. وحين يبدي ردوداً مماثلة، يرتكب أخطاءً غير مقصودة كأن يقول «أنت لست أسود اللون!» أو «اخضع لاختبار الكوكايين»!

بدأ الناخبون يتساءلون عن احتمال أن تخفي تلك الأخطاء ورفض بايدن التكلم من دون تحضير مسبق مشاكل أعمق بكثير. هم يلاحظون أن داعمي بايدن، بدءاً من رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي وصولاً إلى الصحافي توم فريدمان في «نيويورك تايمز»، لا يريدونه أن يخوض مناظرة ضد ترامب. ربما يعرف هؤلاء حقائق لا يعلمها الآخرون. في مطلق الأحوال، يجب أن يضع بايدن حداً لهذه الأسئلة المتراكمة كي لا تطغى على حملته الانتخابية. لتحقيق هذا الهدف، تقضي الطريقة الوحيدة بالخروج بين الناس والإجابة على الأسئلة الصعبة والتكلم بشكلٍ ارتجالي ومواجهة المخاطر المطروحة. حين رفض القيام بذلك، كان منطقياً أن يتساءل الناخبون عن أسبابه. لا تزال تلك الأسئلة مستمرة وهي تؤذي حملته بكل وضوح.

يتوق ترامب من جهته إلى استغلال نقاط ضعف بايدن ويريد تصعيب السباق عليه وإحداث شرخ علني بين قاعدة الديمقراطيين والناخبين الوسطيين. إنها مناورة سياسية بامتياز ويُعتبر قرار الجمهوريين التكلم أمام الجماهير مباشرةً خلال مؤتمرهم الحزبي جزءاً من تلك الاستراتيجية، وتدخل نزعة ترامب إلى التجول بين الناس لخوض المعركة الانتخابية في الخانة نفسها. يتعلق الهدف الحقيقي بإجبار بايدن على مغادرة منزله والتكلم أمام الصحافيين مباشرةً وشرح سياساته للناخبين وإثبات مؤهلاته لتولي منصب الرئاسة. إذا نجح في هذه المهمة، قد يختاره الناخبون. وإذا فشل، سيرفضه الناخبون على الأرجح. لذا سيكون تبديد هذه الشكوك كلها من أكثر المسائل إلحاحاً في حملة بايدن.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.