لم تبقَ وسيلة إعلاميّة في العالم لم تتحدّث، خلال الأسابيع الماضية وخصوصاً بعد انفجار الرابع من آب، عن فساد الطبقة السياسيّة في لبنان وقدرتها على الإجرام وجهوزيّتها كلّ لحظة للمتاجرة بالبلد وأهله. طبقة سياسيّة لا مثيل لها، ولقدرتها على النهب والهدم، حتّى في جمهوريّات الموز. حتّى الجراد الذي يأكل الأخضر واليابس يعجز عن منافستها. هذه الطبقة التي ابتلي بها لبنان هي أسوأ ما حلّ في تاريخه، لكنّها لم تتمكّن من تشويه وجوهه الكثيرة الأخرى لا سيّما الوجه الثقافي. هذا الوجه الذي أصبح مرادفاً لوجود لبنان في العالم والذي تجسّده أصواتٌ أدبيّة وفنّيّة كثيرة، من جبران خليل جبران إلى المبدعين اللبنانيين الأحياء في مختلف الحقول الإبداعيّة بما فيها فنّ الطبخ والأزياء.
هذا الوجه الثقافيّ، العالميّ الطابع، هو ما تحتفل به فرنسا اليوم، وهو الحاضر في حياتها الثقافيّة والمُساهم في حوار متكافئ مع الثقافات الأخرى. في هذا السياق، وتضامناً مع لبنان في محنته، تبرز مشاركة عدد من المبدعين اللبنانيين في مهرجان الفيلم الفرنكوفوني في مدينة أنغوليم، وهذه المشاركة لم تكن مبرمجة من قبل، بل أُدخلت في المهرجان لتصبح حدثاً داخل هذا الحدث الثقافي السنوي. بالإضافة إلى عرض فيلم "كفرناحوم" لنادين لبكي، افتُتح معرض للفنون التشكيليّة يضمّ أعمالاً فنّيّة لأربعة فنّانين لبنانيين هم على التوالي: شفيق عبّود، أسادور، حسين ماضي وفرانسوا سارغولوغو. مقابل لوحات عبّود وتجريدها الغنائي الإنشادي، وخطوط ماضي الصارمة والمتينة، تطالعنا أعمال أسادور وسارغولوغو محمَّلة بحسّ إنسانيّ يمسّ كلّ زمان ومكان، وهو أشبه ما يكون انعكاساً لضمير جماعي ينوء تحت وطأة ويلات لا تنتهي. في محفورات هذين الفنّانين، لا تغيب ذاكرة الحروب، ومن ضمنها الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي لم تتحوّل بعدُ إلى ذكرى، فالخراب الذي أنتجته - خراب الحجر والجسد والروح - لا ينتمي إلى الماضي فحسب، بل هو جزء لا يتجزّأ من الحاضر، كأنه امتداد لجرح عميق متواصل لا يُعطَى له أن يندمل. هذه المشاركة الفنّيّة تمّت بالتعاون مع "معهد العالم العربي" في باريس و"مؤسّسة كلود وفرانس لومان". ولقد دعا مؤخّراً كلّ من المعهد والمؤسّسة الفنّانات والفنّانين الشباب في لبنان، العاملين في الفنون البصريّة، إلى إنجاز أعمال فنّيّة تستلهم بيروت. وسيحضر ما سيتمّ اختياره منها ضمن معرض كبير سيقام في المعهد في شهر آذار المقبل تحت عنوان: "أضواء لبنان" ويشتمل على أعمال أكثر من خمسين فنّاناً لبنانياً من أجيال مختلفة.
في موازاة ذلك، قدّم عازف البيانو اللبناني عبد الرحمن الباشا في منطقة الفوكلوز الفرنسيّة أمسية موسيقيّة يعود ريعها لضحايا الانفجار. واختصر الباشا موقفه ممّا جرى بقوله إنّ "الزلزال يقتل ويسبّب المعاناة، لكنّه قوّة تأتي من الطبيعة وليس في مقدور الإنسان أن يفعل شيئاً حيالها، أمّا الحرب بين البشر فهي أسوأ ما يمكن أن يحدث"، مضيفاً أنّ "ما حدث في بيروت أسوأ من ذلك أيضاً". من جانب آخر، تنظّم "مجموعة تلفزيونات فرنسا"، بالاشتراك مع "راديو فرنسا"، حفلاً موسيقياً ضخماً سيقام الخريف المقبل ويجمع فنانين فرنسيين ولبنانيين وعالميين، من بينهم ابراهيم معلوف وماتيو شديد وبرنار لافيلييه، وسيعود ريع الحفل للمساهمة في إعادة إعمار ما تَهدَّم. هذا بالإضافة إلى تحرُّك عدد كبير من المبدعين والفنانين الفرنسيّين الذين عبّروا عن تضامنهم مع المدينة الجريحة، وكذلك عن دعمهم الذي اتّخذ أشكالاً مختلفة، ومن بين هؤلاء الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب جان ماري غوستاف لوكليزيو والممثّلة إيزابيل أدجاني. إلى ذلك، هناك المبادرة التي أطلقتها منظّمة اليونسكو وتقضي بإنقاذ التراث الثقافي، وأيضاً إعلان المجلس الدولي للمتاحف، فضلاً عن ستّ وعشرين مؤسّسة أخرى من تجمُّع التراث العالمي، عن التضامن مع لبنان ومساعدته على النهوض خصوصاً في ما يتعلّق بإعادة تأهيل المكتبات العامّة والمتاحف والمباني التاريخيّة.
هكذا يتّخذ الوقوف إلى جانب لبنان وعاصمته بيروت اليوم أشكالاً كثيرة، منها التعبير الإبداعي في كافّة أشكاله وأساليبه. ولئن كان النتاج الأدبيّ والفنيّ عاجزاً عن التصدّي المباشر للكراهية والظلم والعنف المسلّح، فإنّه يمثّل، على الأقلّ، لحظة برق وسط الظلام الشاسع، ونقطة ماء في حنجرة الصحراء المترامية الأطراف. إنّه أيضاً تعبير عن حبّ، أو كما يقول الشاعر الفرنسي جيرمان نوفو الذي يربط بين الخلاص ومعرفة بلوغ الحبّ: "أن نعرف أن نحبّ يُحرِّر".