ترتشف "شفّة" القهوة وهي تنظر إلى التلفاز "المحطوط Mute" حيث تتواصل تغطية الانتخابات الأميركية، بينما كانت جارتها تشعل سيجارتها، وعلى هاتفها المحمول تصل رسائل عاجلة على "غروبات واتساب" عن غارات إسرائيلية تُشنّ على الجنوب، ورشقات صاروخية يطلقها "حزب الله" على قواعد عسكريّة في الجليل… فقالت لها "عم بقولو منيح إجا ترامب، هيدا صهره لبناني".
نفثت جارتها الدخان ببطء وأجابتها "إيه والله أحسن من هيدي كمالا… منيح اللي انتخبوا صحّ هالاميركان!".
هو ليس مشهداً خيالياً، هذا مشهد حقيقي في صباح غير هادئ، حلّ فيه أزيز طيران الأستطلاع الإسرائيلي في الإجواء مكان زقزقة العصافير… هو صباح الـ 906 على انتخابات نيابية، قالت خلالها صاحبة "السيجارة": "أنا ما بعمري انتخبت، شو بقدّم وبأخّر صوتي" وصوّتت فيها صاحبة "الشفّة" لـ "البيك"، "لأن عزّاها بإمّها الله يرحمها".
هو صباح الـ 737 للبنان من دون رئيس، بعد 12جلسة شبه انتخابية، يخرج منها فريق الثنائي مع بعض حلفائه فور انتهاء الدورة الأولى من المجلس، متحجّجين بأنّ لا توافق على رئيس لذا لا لزوم للبقاء. وقالها مراراً رئيس المجلس نبيه برّي المفترض أنه مؤتمن على الدستور "إذا ما في توافق ما رح إدعي لجلسة" هذا قبل أن يبدع بتحفة ضرورة الحوار من أجل التوافق قبل الانتخاب!
ترى، لماذا لم يتوافق الأميركيون على رئيس "وبلا معركة انتخابات"؟
سيضحك لبناني تسمّر أمام الشاشات ليتابع الانتخابات الأميركية لكنه يبرّر لبرّي عدم الانتخاب قائلاً "هيدي أميركا، مش لبنان… هنّي مش مختلفين متلنا!".
هل شاهد هذا اللبناني حملات كل من المرشّحين طوال الفترة السابقة؟ الإحتداد بينهما؟
هل رأى الاختلاف الواضح بين من يشرّع الإجهاض وبين من يترك للولايات حقّ تشريعه من عدمه؟ هل لمس الانقسام حول السياسات الاقتصادية وسياسات الهجرة وفتح الحدود وزواج المثليين وحلول مشاكل الطاقة؟
هل يعرف عن الاختلاف بين الإميركيين ذوي البشرة البيضاء والآخرين ذوي البشرة السمراء؟ وبين الإميركيين من أصول لاتينية وآسيوية وغيرها من الأعراق المختلفة؟
هم أيضاً يختلفون، واختلافاتهم تؤدّي إلى سقوط قتلى وجرحى. أحداث شارلوتسفيل عام 2017، وحركة "حياة السود مهمة" بعد مقتل جورج فلويد عام 2020، واقتحام الكابيتول عام 2021 أمثلة حيّة عن الانقسام السياسي الشديد بين الجمهوريين والديمقراطيين.
لماذا لا يلجأون إلى "التوافق لمنع البلاد من الإنجرار إلى حربٍ أهليّة؟!".
بات واضحاً أنّ المشكلة العميقة التي تمنع انتظام الحياة السياسية العامة في لبنان ليست على صعيد الطروحات الاقتصادية أو الاجتماعية ولا حتّى الطائفية كما يحلو للبعض تصويرها "كل ما ينزنق بالسياسة".
المشكلة ببساطة أنّ هناك من يريد اعتبار الدستور ورقة يلفّ دخانه بها… وفي وجه من يعارض، تهديد باللجوء إلى فائض قوّة اكتُسِب من وهج سلاح غير شرعي، كان سبق وبرّر حاملوه وجوده بأهميّته من أجل تحرير فلسطين وحماية لبنان من العدوّ، ليتبيّن أن لا فلسطين تحرّرت، ولا الاراضي اللبنانيّة سَلِمت من إجرام العدوّ، والذين قُتِلوا هم اللبنانيون.
اخبار عاجلة اخرى وصلتهما في صبحيّة اليوم التالي افادت باتصال كاملا هاريس بترامب لتهنئته مؤكدة لانصارها انّ في بلادهم يدينون بالولاء لا لاحزاب او رئيس بل للدستور…
ومع "شفّة" قهوة جديدة، قالت لها:
"يلّا رح تخلص الحرب، برّي قال انّه ترامب
تعهّد بانهائها بقهوة حسن عبّاس…"