في لبنان، عوضاً عن أن تدعم الدولة مزارعيها ومواطنيها، ترفع الدعم عنهم. وبسبب هذه السياسة، يستمرّ نزيف القطاعات الإنتاجية، وتستمرّ معاناة اللبنانيين على اختلاف مصالحهم.
ومع اتّجاه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى رفع الدعم عن الكثير من السلع والمنتجات، بما فيها تلك التي تدخل في الإنتاج الزراعي والحيواني، يسري الحديث عن ارتفاع خيالي للأسعار سيطال الأغذية والبنزين والمازوت والأدوية. ثم جاءت التوصية التي رفعها وزير الإقتصاد راوول نعمة إلى سلامة، لتجعل القطاع الزراعي وقطاع تربية المواشي مهددين بالتوقف الكامل، بعد سلسلة الخسائر التي منيوا بها بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية.
اللبنانيون جميعاً مُهدّدون بأمنهم الغذائي والصحّي والإجتماعي، في حين أنّ التوصية التي رفعها نعمة إلى الحاكم، أثارت بلبلة وتخوّفاً في نفوس المزارعين في عكّار، الذين ما إن يلملموا أوضاعهم وينهضوا من كارثة حتى تحلّ عليهم كارثة أخرى. لكنّ الفارق هذه المرّة أنّ رفع الدعم عن المستلزمات الزراعية سيجعل أسعار هذه المواد تُسابق الريح، وهنا سيكون المزارع أمام واقع التخلّي عن الزراعة بالكامل، مع ما يستتبعه ذلك من تأثيرات سلبية على مصير مئات العائلات من جهة، وسيجعل من أسعار الخضار وما إليها، تسابق الريح هي الأخرى، ليكون مصير أمن المواطن الغذائي في مهبّ الريح.
فالمزارعون الذين رأوا في قرار نعمة الأخير "إعلان حرب" عليهم وعلى لقمة عيشهم، لا سيّما في محافظة عكّار حيث يعمل عدد كبير من عائلاتها في هذا القطاع، تداعوا إلى اجتماع طارئ في قرية تلمعيان في دارة عضو الإتحاد الزراعي ورئيس تعاونية الضمان الزراعي مصطفى حمّود، وأعقب هذا الإجتماع وقفة تحذيرية وبيان. وإذ استنكر المزارعون توصية وزير الإقتصاد إلى حاكم مصرف لبنان بإيقاف دعم مستلزمات إنتاج القطاعات الزراعية المستوردة، بحجة عدم مساهمة الدعم في خفض أسعار المنتجات الغذائية المدعومة للمستهلك اللبناني، تداولوا بالمشاكل الراهنة التي تعترض الزراعة، وتلك التي ستتأتّى من هذا القرار.
وفي بيانهم الختامي الذي تلاه حمّود باسمهم، رأى المزارعون ومربّو المواشي أنّ "رفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج الزراعي والحيواني هو بمثابة الحكم على المزارعين بالموت، وكأن هذا الوزير يأتي من كوكب آخر ولا يدري ما هي المشاكل التي تعانيها الزراعة في الأصل حيث سيؤدي رفع الدعم إلى القضاء بالكامل على القطاع الزراعي. يبدو أنّ الوزير نعمة يحاول تغطية تقصيره في المتابعة ومراقبة غلاء الأسعار، بالتشفّي من المزارعين وتحميلهم المسؤولية عن تقصير وزارة الإقتصاد".
كذلك، دعوا الحكومة الجديدة التي ستتشكّل إلى دعم المستلزمات الزراعية والحيوانية، من أسمدة وأدوية وبذور وأعلاف ومعدّات، وتعزيز الزراعات المدعومة لتحصين الأمن الغذائي وزيادة الواردات وتأمين عملة صعبة إلى الداخل، والحفاظ على القطاع وعلى آلاف العائلات التي تعتاش منه. وإذ ثمّن المزارعون وقوف وزير الزراعة عباس مرتضى إلى جانبهم ورفضه لتوصية وزير الإقتصاد إلى حاكم مصرف لبنان، طالبوا مرتضى بـ "القيام بكل ما يمكن من جهود حتى لا يمرّ هذا القرار الكارثي، الذي سيقضي على كلّ ما أنجزه الوزير مرتضى في وزارة الزراعة".
مصير مئات العائلات في المجهول
واستغرب مصطفى حمّود "الأداء المرتبك وغير المنطقي وغير المنسجم مع الواقع الذي يتعامل به وزير الإقتصاد راوول نعمة". وقال لـ"نداء الوطن": "كنا ننتظر أن يسعى إلى دعم المزارعين من خلال العمل على تثبيت سعر الدولار الزراعي ضمن حدود معقولة من أجل تثبيت المزارع في أرضه وزراعته، وإذا به يطالب بتحرير سعر الصرف ليصبح مشابهاً للسوق السوداء، ويصبح كلّ القطاع الزراعي في خبر كان". وشدّد على أن ّ"هناك مئات وآلاف العائلات في عكّار وحدها تعيش من القطاع الزراعي، ومن شأن هذه الخطوة أن تضع مصير كل هؤلاء الناس في المجهول".
"يا رايح كتر القبايح"
وأثناء المداولات وتبادل الآراء، أشار العديد من المزارعين إلى أنّ الوزير نعمة يتصرّف وفق قاعدة "يا رايح كتّر القبايح". فهم يرون "أنّ هذه حكومة تصريف أعمال، وعليها أن تترك بتّ هذه الأمور المصيرية إلى الحكومة المقبلة التي من الممكن أن تجد حلّاً إنقاذياً للقطاع الزراعي وقطاع تربية المواشي والعاملين فيهما، بدل أن تعمد إلى قطع أعناقهم عبر قطع أرزاقهم كما يفعل نعمة".
تجدر الإشارة إلى أنّ القطاع الزراعي عليه الإعتماد الأساسي في عكّار، ويشكّل مصدر دخل لآلاف العائلات، ويشتري المزارعون المواد على سعر الدولار المصرفي 3900 ليرة "بشقِّ الأنفس"، بينما أبقى المزارعون العكّاريون اجتماعاتهم مفتوحة لمتابعة التطورات، واضعين على الطاولة خيار اللجوء إلى التصعيد، في حال لم تُستجب مطالبهم.