من المبكر الحديث عن تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان وغبارها لم ينجلِ بعد. لكن حتما سيكون لها أثر مفصلي على التوازنات السياسية والأهلية في البلد.
في العام 1982، هزمت إسرائيل المقاومة الفلسطينية وحلفاءها وسهلت الطريق لانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية. بقية الحكاية معروفة أيضا: انسحبت إسرائيل إلى الشريط الحدودي وانتفض مهزوموها بدعم من النظام السوري على تركة اجتياح 82. أُعيدت خطوط التماس القديمة ودخلت البلاد في فصول جديدة من الحرب الأهلية.
هل تتكرر هذه الفصول، ولو بشكل آخر، بعد حرب 2024؟ أي هل تنتج هذه الحرب انقلاباً في التوازنات القائمة بين الجماعات اللبنانية يدفعها إلى الصدام المسلح؟
للإجابة، من المفيد ملاحظة فروق مهمة بين الحالتين. ففي العام 82 وقبل الغزو الاسرائيلي كانت أطراف النزاع في لبنان قد وصلت إلى حالة تعادل ميداني رُسمت فيها خطوط تماس ثابتة و"مقبولة" من الجانبين. كسر الاجتياح الإسرائيلي حالة اللاغالب واللامغلوب ونصر فريقاً على آخر.
أما اليوم، فإسرائيل تشن حربها على بلد كان فيه غالب صريح ومغلوبون عديدون. لذا، إن نجحت إسرائيل بإضعاف "حزب الله" بشكل كبير، سيفقد الأخير غلبته. لكن هذه الغلبة لن تنتقل الى خصوم الحزب. ما سيحدث، في أقصى الاحتمالات، هو تقليص أو إلغاء الهوة بين "حزب الله" والقوى المنافسة له. فبخلاف العام 82، لا تقيم إسرائيل أي تحالف مع القوى المناوئة لـ"الحزب". بل تعمل، ربما انطلاقاً من تجربتها قبل أربعة عقود، على أن تضعف عدوها من دون أن تتبنى أياً من خصومه.
لذا حتى لو نجحت إسرائيل في تقصير قامة "حزب الله"، فإن أقصى ما سيسعى إليه خصومه هو استعادة توازن يتيح لهم كسر هيمنة "الحزب" وليس الحلول محله. كذلك سيتجنب هؤلاء الخصوم مواجهة عسكرية مع "الحزب" لأنهم يعرفون أن أكلافها كبيرة وقدراتهم عليها محدودة. فـ"حزب الله" وبيئته، وإن أصابهما الوهن، سيحافظان على قدر لا يستهان به من القوة والعصبية.
لكن ماذا عن "حزب الله"؟ ألن يسعى إلى استعادة مكانته بدعم جدي من النظام الإيراني، كما فعل حلفاء سوريا بعد انسحاب إسرائيل في الماضي؟ أولن يدفع هذا السعي بـ"الحزب" للانقضاض على خصومه في الداخل بعد انتهاء الحرب؟
من الصعب الجزم بهذه المسألة. لكن هناك محاذير جدية لا تغريه بسلوك هذا الدرب الوعر، على الأقل في المدى المنظور. أولها أن الحزب سيضطر للانتظار ريثما يستعيد هو وبيئته أنفاسهما ويعوض خسائره العميقة في القيادة والكوادر. وهذا كلّه ضروري قبل الشروع في مواجهات داخلية لن تكون سهلة. ومن الجائز افتراض ألّا تكتفي إسرائيل بالتفرج على محاولة "حزب الله" إعادة الوضع إلى ما قبل أيلول 2024، مما سيضع "الحزب" في وضع لا يحسد عليه.
لذا سيحتاج "الحزب" لفترة طويلة من عمل دؤوب ودعم إيراني ثابت وانكفاء إسرائيلي كامل كي يتمكن من إعادة إنتاج نفسه واستعادة ثقة بيئته به، قبل الشروع بأية محاولة جدية ومكلفة لإعادة هيمنته إلى سابق عهدها.
وهكذا، باستثناء بعض الاحتكاكات هنا وهناك، لا يبدو أن لأي من الأطراف اللبنانية مصلحة في الشروع بحرب داخلية بعد انقضاء الحرب التي نحن فيها.