لا أذكر متى كانت آخر مرة خرجت فيها من المنزل، خصوصاً بعد أن اشتدّت الحرب ووضعت أوزارها بقوة في محيط العاصمة بيروت. مذّاك أتسمّر أمام التلفاز، وأراقب سير الأحداث العسكرية، وأتابع تغطية المراسلين المنتشرين في المناطق المستهدفة كالفطر، وبلغتهم العربية "المفركشة". كما أتابع سفاسف الكلام الصادر عن المحللين السياسيين (وما أكثرهم) على الشاشات... إلى يوم أمس، إذ باغتني إتصالٌ "واتسابيّ" (قطيعة تِمهَد النت شو بطيء) من صديق مُقبلاً من عاصمة الجنوب صيدا، طلب مني ملاقاته في منطقة عين المريسة، لقضاء حاجة لا مجال لذكرها هاهنا.
دخلت المنطقة فاختلطت عليّ المشاعر. لم أعرف إن كنا في العام 2024 بالفعل، أو في الـ73، يوم كنت أخلو إلى شياطيني مع ثٌلة من "رِفقة السوء" بدافع "الزعرنة" في الزيتونة (رزق الله على أيامك يا زيتونة).
الزحمة متشابهة، لكن الدوافع والظروف مختلفة: سيارات مركونة على جَنَبيّ الطريق الحبلى بالدراجات النارية، ازدحام في المطاعم والمقاهي، فيما الفنادق والنُزُل غاصّة بالرواد.
هؤلاء ليسوا سياحاً عرباً أو أجانب، ولا مصطافين مُقبلين من الأرياف اللبنانية إلى أم الشرائع بيروت بدافع التنزّه. هم نازحون هاربون من الحرب والدمار في الجنوب والضاحية. قلت في نفسي: تباً للحرب. تُفّاً على مأساتنا. هزواً مما أمسينا عليه بفضل تلك المغامرات الرعناء... أهذا مصير الشعب اللبناني؟ أقَدَر الناس أن تهرب كل عقدٍ من الزمن لتعود متفاجئة بمنازلها وأرزاقها المدمرة بلا سبب؟
سرحت بعيداً في مشهد، وسألت نفسي مجدداً: لو كانت هذه الزحمة ناتجة عن موسم سياحي فما كان على بالنا؟ أليس هذا لبنان الذي نعرفه؟ هل بات حُرُماً على المناطق السياحية أن تستقبل الناس بدافع الفرح والسياحة، أم أنّ الحروب مصيرنا المحتوم؟
سلكت الشوارع الخلفية للخط البحري في عين المريسة عائداً إلى البيت سيراً، ورحت أتأمل مباني النُزُل الغاصّة برؤوس البشر الطالّة من شرفات الغرف. خَطَرَ في بالي أغنية من وحي المشهد، رُحت أدندنها لا شعورياً، فاستفيض في التمتمة والتعريب: "نزل السرور أه يا جامعنا. يا فندق المحروم... الفضل للي جامعنا. الفضل للمرحوم".
تلك الأغنية التي أبدع بأدائها جوزيف صقر في قصر "البيكاديلي" (ليس بعيداً عن عين المريسة)، في مسرحية زياد الرحباني الأشهر: "نزل السرور".
في مسيري، رحت أتذكر لا شعورياً أيضاً، تفاصيل تلك المسرحية التي حفظناها عن ظهر قلب أيام الصبا، وأذكر أنه تسنّى لي رؤيتها Live مع أترابي في ذاك الوقت، بخلاف هذا الجيل الذي لم تسنح له الفرصة. لكنّهم حفظوها كذلك من كثرة الاستماع إلى الأشرطة المسجلة (3 كاسيتات Serie)، التي كنا نحتفظ بها في منازلنا ضمن أرشيف واسع للرحبانيات (بتجي مع الجهاز).
تذكّرت بطل المسرحية. زكريا (زياد الرحباني) الذي افتعل مشكلاً مع زوجته و"دشرها" من البيت، لكنّها "شحطته"، فقصد النزل للمبيت.
تذكرت كذلك أنّ هذه المشهدية هي نفسها "منطق الممانعة" عن الانتصار: نحنا انتصرنا بس هني شحطونا.
عليه العوض ومنه العوض!