بعدما تسبّبت طهران بتدمير قطاع غزة ولبنان في مواجهتها بالوكالة عبر أذرعها مع إسرائيل، تعمل اليوم على بعث "رسائل دبلوماسية" للرئيس المُنتخب دونالد ترامب، تُبدي فيها استعدادها للتفاوض مع إدارته المقبلة بما يُحقّق مصالحها، بلغة "حياكة السجّاد" الفارسية المتعارف عليها، فيما رأى مراقبون أن نظام الملالي يسعى إلى استثمار الحربَين في لبنان وغزة، واستخدام "الساحتين"، كما تنظر إليهما إيران، كـ"ورقة ضغط" لتحصيل مكاسب من واشنطن، تؤمّن من خلالهما مصالحها القومية و"النووية"، مقابل تسهيل وقف النار بما يُناسب الحسابات الأميركية الجديدة، وتالياً بما يُرضي الدولة العبرية، ولو من خلال "تخريجة ممانعة" تحفظ ما تبقى من ماء وجه حكّام طهران.
وإذ اعتبر المراقبون أن الوقت ليس في مصلحة طهران، أوضحوا أن الأخيرة تُحاول الخروج من "المواجهة" الشرق أوسطية بأقلّ قدر ممكن من الخسائر عليها، محذّرين في الوقت عينه من أن كلّ الاحتمالات تبقى مفتوحة على مصراعيها في هذه المرحلة الحساسة قبل تسلّم ترامب مقاليد السلطة في واشنطن. وكان لافتاً "الكلام المعسول" للرئيس الإيراني ذي الوجه "المعتدل" مسعود بزشكيان حين قال "شئنا أم أبينا، سيتعيّن علينا التعامل مع الولايات المتحدة على الساحتين الإقليمية والدولية، لذا من الأفضل أن ندير هذه العلاقة بأنفسنا... ونتعامل مع أعدائنا بالصبر!"، بينما كانت متحدّثة باسم حكومته قد أوضحت أن طهران ستسعى إلى تحقيق كلّ ما يضمن "مصالحها"، وذلك ردّاً على سؤال عن احتمال إجراء محادثات مباشرة مع إدارة ترامب.
وتحاول طهران بذلك تحصين نفسها من الهجمات الإسرائيلية التي قد تُهدّد ساحتها الداخلية المعرّضة للاهتزاز في أي لحظة، الأمر الذي تُدركه جيّداً تل أبيب، حيث عمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس إلى توجيه رسالة مصوّرة مباشرة للإيرانيين قائلاً لهم إنّ نظام المرشد الأعلى علي خامنئي يخشى الشعب الإيراني أكثر من إسرائيل. واعتبر أنّه "لهذا السبب يمضون الكثير من الوقت وينفقون الكثير من المال في محاولة سحق آمالكم وكبح أحلامكم... حسناً، أقول لكم: لا تدعوا أحلامكم تموت... المرأة، الحياة، الحرّية!"، في إشارة إلى شعار الثورة التي اندلعت في إيران عقب مقتل الشابة مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق"، وقمعتها السلطات بـ"الحديد والنار"، لكن متابعين للوضع الداخلي الإيراني يؤكدون أن "الجمر" لا يزال تحت الرماد لدى شرائح واسعة في المجتمع تُريد إسقاط النظام.
ودعا نتنياهو الإيرانيين إلى عدم فقدان الأمل، وقال "اعلموا أن إسرائيل وآخرين في العالم الحرّ يقفون إلى جانبكم"، في رسالة رأى فيها مراقبون أنّها محاولة من رئيس الوزراء الإسرائيلي لـ "العبث نفسيّاً" مع طهران من خلال التطرّق علانية إلى ملف داخلي حسّاس بالنسبة إلى النظام، لإظهار "القوّة الناعمة" لتل أبيب إلى جانب قوّتها العسكرية.
وبعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة على إيران، كشفت وكالة "تسنيم" أن الجمهورية الإسلامية تبني "نفقاً دفاعيّاً" في طهران. ويقع النفق بالقرب من وسط المدينة وسيربط محطة في مترو طهران بمستشفى الإمام الخميني، بينما كان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد توعّد إيران بأنّها "أكثر عرضة من أي وقت مضى لضربات على منشآتها النووية"، معتبراً أنّه "لدينا الفرصة لتحقيق هدفنا الأكثر أهمية: إحباط الخطر الوجودي الذي يتهدّد دولة إسرائيل وإزالته".
توازياً، كشف ترامب أنه سيُرشّح حاكم ولاية أركنساس السابق مايك هاكابي سفيراً لواشنطن لدى إسرائيل، بعدما كان قد التقى وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في فلوريدا الأحد، وفق موقع "أكسيوس"، في حين أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ أمس أنه عقد "اجتماعاً بناءً" مع نظيره الأميركي جو بايدن، معرباً عن أمله في "أن نرى نتائج معيّنة في المستقبل المنظور".
في الغضون، قرّر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن عدم إجراء أي تغيير على المساعدات العسكرية لإسرائيل في الوقت الراهن، وفق موقع "أكسيوس" الذي أوضح أن واشنطن تُريد من تل أبيب اتخاذ مزيد من الخطوات لتحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة خلال الأيام المقبلة، في وقت استدعت فيه الخارجية الفرنسية السفير الإسرائيلي وأبلغته بأنّ حادث القدس، الذي شهد دخول قوات أمن إسرائيلية إلى موقع تُديره فرنسا، يجب ألّا يتكرّر مرّة أخرى إطلاقاً.