في ظلّ الأوضاع السياسية المتأزمة في لبنان، تتعرض حرية الصحافة إلى المزيد من التضييق، في مشهد يعيد إلى الأذهان الحقبات السوداء التي كان فيها الصحافي هدفاً للتهديدات والاعتداءات. ففي الآونة الأخيرة، تعرّض عدد من الصحافيين اللبنانيين لاعتداءات عدة، كان آخرها الهجوم الوحشيّ على الزميلين نبيل مملوك، الصحافي في "نداء الوطن"، ومحمد البابا، مراسل قناتي "العربية" و"الحدث"، من دون أن ننسى ما حصل مع زميلتينا في الـ"MTV" مريم مجدولين اللحام والدكتورة إيمان شويخ، اللتين تعرّضتا للتهديد بالقتل واتهامات بالعمالة، من قبل عناصر محسوبة على "حزب الله"، ما يجسّد تصعيداً خطيراً في استهداف الصحافيين الذين يُفترض أن يكونوا في طليعة المدافعين عن الحقيقة.
هذه الاستهدافات لم تكن الأولى، فقد سبقها العديد من الحوادث المشابهة، ما يعكس تدهور الحماية الأمنية للصحافيين في لبنان، والمضحك المبكي، أنه وبعد كل اعتداء، تصدر بيانات استنكار من نقابة المحرّرين ووزارة الإعلام، لكن لا شيء يتغيّر على أرض الواقع. فغالباً ما تقتصر ردود الفعل على كلمات مبهمة من دون أي إجراءات عملية لحماية الصحافيين أو محاسبة المعتدين.
لقد بات من الواضح أن الصحافيين في لبنان، الذين كانوا ضحايا الحروب والخراب في الجنوب منذ بدء الحرب الحالية، أصبحوا في الداخل اللبناني "الآمن نسبياً" مهددين في حياتهم بسبب القمع الداخلي الذي تمارسه بعض القوى السياسية. فلا تزال العناصر الموالية لـ"حزب الله" تمارس الضغط على الصحافيين، متجاوزةً كل القوانين والمواثيق الدولية التي تحمي حرية الصحافة. في وقت يفترض أن يكون فيه الصحافي بعيداً من التهديدات، نجد أنفسنا أمام تهديدات ميليشياوية واضحة، هدفها إسكات الأصوات الحرة.
وبات السؤال اليوم… ما هو الموقف الذي يجب أن تتخذه وزارة الإعلام؟ وماذا عن نقابة المحرّرين التي لا تزال في غيبوبتها؟ فكان من المفترض أن تتحرّك بشكلٍ عاجل لحماية الصحافيين من هذه الاعتداءات المتكررة، فإن الوضع الحالي لا يحتمل التأجيل أو الاكتفاء بالكلمات الطيبة والبيانات السخيّة والاستنكارات الفارغة. ففي ظل الانهيار الأمني الذي يعانيه لبنان، بات الصحافيون بحاجة إلى حماية فعليّة وفعالة.
نحن لا نريد تكرار نفس المأساة، التي تعني أن لبنان أصبح مسرحاً لقتل الصحافي، حيث يهدد القمع حياة من يسعى لتوثيق الحقيقة... لا نريد أن نرى صحافيين آخرين يُستهدفون كما حدث مع سمير قصير، جبران تويني، مي شدياق ولقمان سليم… ولا نريد أن تدوّن أسماؤنا على لائحة شهداء الصحافة اللبنانية، ولا نريد إكليل غارٍ في كل 6 أيار... جلّ ما نريده هو ضمان الحرية لنا... حرية التعبير وإبداء الرأي.
فمن واجب الدولة أن توفر آلية حقيقية لحماية الصحافيين، وأن يكون هناك ردع حقيقي ضد التهديدات المستمرة، لكننا نطلب "الورد" من سلطة لا تهتم إلا بـ "الشوك"... فريق سياسي يتحكم بالسلطة يعتدي علينا في الشارع، ويلبس "الكرافات" في المجالس ليحاضرنا بالإعلام، ويرأس لجنة الإعلام النيابية ووزارة الإعلام اللبنانية...
لقد بات الوضع في لبنان يتطلب أكثر من كلمات الاستنكار، بل هناك ضرورة لاتخاذ إجراءات فاعلة وجادة لحماية الصحافيين، وإلا سنشهد المزيد من الضحايا، فإن لحظة الحقيقة قد حانت، فهل ستتحرك الجهات المعنية، أم ستظل غارقة في صمتها القاتل والمقيت؟