رمال جوني

على طريق دير الزهراني

بين الموت والحياة... غارة

3 دقائق للقراءة

لحظات قاسية مرّت ككابوس مرعب. الفرق بين الحياة والموت غارة، نعم غارة، قد تسحقك وقد تكون نجاتك أعجوبة. لا يمكن وصف المشهد، صوت صواريخ، هدير طائرات حربية، تتبعها مسيّرات، قبل أن يتبدّل المكان، وتدخل قلب الدخان الكبير، هذا ما حصل.



سلكنا الطريق نحو دير الزهراني لمعاينة حجم الدمار الذي حلّ بالبلدة. الطريق يخلو من المارّة والسيارات والمسيّرات، غير أنّ الأخيرة  باغتتنا هذه المرة. حضرت فجأة ومعها الموت. كنت أشعر أن شيئاً سيحصل، لم أكن مطمئنة للخروج، لم أكمل الطريق، عدت أدراجي، مررت قرب المحل المستهدف، ما إن تجاوزته بدقيقة أو اثنتين حتى شعرت أن بركاناً سقط، كتلة نارية، دخان، عصف حجارة، كأنه فيلم خيالي، كنا نشاهده سابقاً في الأفلام، هذه المرة عايشناه، بالواقع الملموس، ثوان ويتبدل المشهد، المكان الجميل، يصبح ركاماً.



قاسية هي اللحظات، لا تصدق، لا يمكن وصفها، أن تجد نفسك في قلب الركام، أن تقذفك الغارة، وتشعر كأنك تموت، نعم هذا ما تشعر به، تتصارع بين الحياة والموت.



ليست المرة الأولى التي أختبر فيها وقع سقوط الغارة هي الثانية، في المرة الأولى سقط الصاروخ على بعد أمتار، شاء الله أن لا ينفجر، غير أن صوته فجّر كل مشاعر القلق في مخيلتي، تحضر أمامك كل اللحظات، تشعر أنك قد تتطاير وربما تتحول أشلاء، نعم هذا ما حصل، كنت أعبر حينها قرب مهنية النبطية، يوم الغارات الأخيرة على المدينة، اليوم اختبرت عصف الغارة، صوتها، الدمار، اختبرت الشعور كيف تتغير حياتك فجأة.



ليست بالأمر السهل، هو جنون، نعم جنون أن تعبر الطرقات اليوم، في شوارع القرى، ربما بات التنقل أكبر خطر هذه الأيام، فالغارات لا تتوقف، الدمار كذلك، الحياة باتت صامتة، قاتلة، ما يحصل أن الإسرائيلي يسعى لتحويل النبطية إلى ركام، وهذا ما يحصل. أشاهده كل يوم، في كل زاوية.



رعب الغارات بات لصيق يومياتنا، تحضر، تقصف، تدمّر ثم يعمّ الصمت الأجواء.



لم أشعر بشيء في تلك اللحظة، غير أن غبار الغارة ورائحتها السامة أثقلت صدري، شعرت بعجز في التنفس. اضطررت إلى أخذ جرعة اوكسيجين في مستشفى النبطية الحكومي بحضور مديرها الدكتور حسن وزنة.

نجوت بأعجوبة، الله أنقذني، أحمده أنني ما زلت شاهدة على ما يحصل من إجرام بحق المدينة التي عشت فيها، والقرى التي حفظت تفاصيلها عن ظهر قلب، جل ما اقترفته اليوم أنني أردت توثيق الجريمة بحق القرى لا أكثر. لن أتوانى عن مهمّتي، سأبقى وفية لمهنتي لنقل الحدث والصورة والحقيقة، لكني سأكون أكثر حذراً.