نبيل مملوك

لبنان بين صيف الثورة وسيف الحرب

3 دقائق للقراءة

ينقسم اللبنانيون اليوم وبعد قرابة الشهر والنصف من الحرب الاسرائيليّة السابعة إلى فئتين على الأقل: الأولى تكرّس كلّ ترقّبها واهتمامها لدعم المقاومة واعتقادها أنّ الوقت ليس للسياسة والنقذ الغيري، أمّا الثانية فهي التي تدعم مقاومة المحتل وتدعو سواء من خلال النقد الساخر أو النقد البنّاء إلى البدء بالتفكير بأدبيات اليوم التالي للحرب ، والحقّ أنّ هذا الانقسام ليس الأوّل لبنانيًّا ففي عام 2006 شهدنا هكذا انقسام في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ...انقسام هيّأ لواقعة 7 أيّار 2008 التي لم تعد مجيدة لا في أدبيّات الحزب أو أدبيات سواه من القوى، ويعيدنا عربيًّا الى التجربة المصريّة عام 2013 بعد ثورة 30 يونيو حين انقسم المصريّون بين مؤيّد لتغيير جذري يطيح بنظام الرئيس محمد مرسي وبين متجنّب للثورة محذرًا من العودة إلى المربّع الأوّل. مشهديّات تعيدنا إلى مفاهيم دأب على طرحها علماء الاجتماع الغربيين لا سيّما ماكس فايبر الذي نظّر للكاريزما وأوغست كونت وقبلهما عربيًّا ابن خلدون ومقدّمته الشهيرة التي تكلّمت على اهتراء المجتمع وعلاماته التي تضمّ الاستهزاء والسخريّة من المآسي، فأين لبنان من التغيير ؟ وإلى أي حدّ سنشهد انقلابًا في المشهد القائم؟


لبنان...حقل تجارب سوسيولوجيّ

قسّم علماء الاجتماع السياسيين إلى قسمين: الطبيعي الذي يأتي عبر الاصلاح السياسي التي تقوم به السلطة لتدارك المصائب والانفجار الاجتماعي (تجربة الملك محمّد السادس في المغرب وعبد المجيد تبّون في الجزائر أنموذجان) والتغيير الجذري الذي يأتي نتيجة ثورة، انقلاب أو حرب أهليّة (تجارب مصر منذ ال1956 حتى 2013 أنموذجًا)، ولبنان شهد نموذجا في عهد الرئيس بشير الجميل عام 1982 ولبنان خلال الثورة الأكثر تألقًا في 17 تشرين 2019 جمع الشعوب اللبنانيّة ضمن شعب واحد تحت عنوان " العلم اللبناني" وكاد أن يكون أمام تغيير جذريّ معقول لولا واقعة برج الغزال، وساحة النجمة وانسحاب النخبة المثقفة من المشهد الدراميّ.


ليكون لبنان مشتت الثورات وحقلا لتجارب لا تنتهي.


المشهد المتوقع واحتماليّة التغيير


وسط الخسائر التي تفرزها الحرب والسباق الى التسلح السياسي، يبدأ التركيز على بناء عقد اجتماعي جديد للبنان سواء من ناحية محاولات رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر مؤتمراته ولقاءاته في معراب أو من خلال ترقب صمت الرئيس سعد الحريري واحتمال عودته بعد تسوية أو من خلال الكباش الايراني من خلال الوكلاء على الساحة اللبنانية وتعنت الثنائي أمل حزب الله وتمسكهم مع جنبلاط وسياسته الزئبقيّة بانتخاب رئيس تسووي يرضي الجميع ليكون السؤال هل نحن أمام ترقب لتبدل المحاور أو انتظار نهاية العاصفة للعودة إلى المربع الأول.


في روايته "1984" يتحدث جورج أورويل عن القائد بطريقة ثوريّة تحث من خلال النعوت والتوصيفات الظلامية للديكتاتور على الثورة التي قد تكلّف حربًا أهليّة، وهو ما عاد وترجمه حازم صاغية في كتابيه التحقيقي الاستقصائي " الشعوب اللبنانيّة " الذي استطلع حال اللبنانيين واشتباكاتهم الحزبيّة و "هجاء السلاح " الكتاب الذي اثبت ان مقاومات العالمين الغربي والعربي انتجت حروبًا أهليّة مقنعة.


فهل صيف الثورة في لبنان سيقطعه سيف الحرب؟ سؤال يبحث عن اجابته في الميدان.