64336

الإصابات

531

الوفيات

29625

المتعافون

جيم أونيل

هل بدأ الدولار مرحلة الانخفاض المزمن؟

9 أيلول 2020

المصدر: CHATHAM HOUSE

02 : 02

تمثال لـ جورج واشنطن أمام بوصة نيويورك
يبدو أن هيمنة الدولار لن تتابع التفوق على التراجع النسبي للاقتصاد الأميركي في العالم! في مرحلة معينة، لا مفر من استبداله بخيارات أخرى، لكنّ وجهة سعر الدولار مقابل العملات مسألة مختلفة...

شهدت الأسواق المالية منذ بداية هذا الصيف تطورات بارزة، منها تراجع قيمة الدولار مقابل عملات عدة، وتزامنت هذه الظاهرة مع ارتفاع لافت في سعر الذهب. بالإضافة إلى تحليلات السوق الاحترافية المعتادة حول حركة الدولار، أدى هذا الوضع إلى انتشار توقعات عن بداية نهاية عصر هيمنة الدولار.

بعدما أمضيتُ معظم مراحل مسيرتي المهنية كخبير في العملات، أريد التشديد على مسألة تعلّمتُها من تجاربي السابقة: قد يشتهر أي محلل طوال 15 دقيقة أحياناً بفضل سوق صرف العملات الأجنبية، لكنّ أي خبير في هذا القطاع لا يضاهي ملايين الأشخاص المشاركين في هذا السوق العالمي الضخم على مدار الساعة. أنا شخصياً أمضيتُ أكثر من 30 سنة في الأسواق المالية، وكنتُ ناشطاً في معظم تلك الفترة في سوق صرف العملات تحديداً. وعلى مر هذه المسيرة الطويلة، أظن أنني تعلمتُ بعض الحِيَل التجارية.

في خضم المحاولات المتواصلة للإجابة على الأسئلة المرتبطة بالدولار اليوم، تعلّمتُ منذ وقتٍ طويل أن هذا النقاش يجب أن ينحصر بسؤالَين منفصلَين بالكامل عن الدولار، علماً أن أحدهما يتفرع إلى قسمَين. يتمحور السؤال الأول حول استعمال الدولار: هل ستتابع هذه العملة السيطرة على النظام المالي الدولي باعتبارها وسيلة التبادل الأكثر قبولاً في العالم؟

هذه المسألة ليست مرادفة لأداء الدولار اليومي مقابل العملات الأخرى. هذا ما يوصلنا إلى السؤال الثاني، وهو الأهم على الإطلاق لفهم حقيقة ما حصل خلال الصيف: كيف تتأثر تقلبات قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى بعنصر بنيوي أو تقييمي وآخر دوري؟ يمكن تحليل كل سؤال وحده، لكن إذا كنتَ مجنوناً بما يكفي كي تُكرّس السنوات التي خصصتُها أنا لهذه العملية، قد تتمكن من جمع السؤالَين معاً لاحتساب القيمة العادلة والقابلة للتعديل إلى حين الاقتناع بأن هذه المقاربة تجمع مختلف المعلومات المتاحة في أي مرحلة من الزمن.

على مستوى التقييم، تُعتبر مقاربة "تعادل القوة الشرائية" الأكثر شيوعاً، وهي تفترض أن أي عملة، في حالة التوازن، تعكس في نهاية المطاف اختلاف الأسعار بين بلدَين. إذا بقي مستوى التضخم في الولايات المتحدة أعلى من منطقة اليورو مثلاً، من المنطقي أن تتراجع قيمة توازن الدولار مع مرور الوقت. أنا طوّرتُ نسختي الخاصة من أسعار العملات المتوازنة، بالشكل الذي بدا لي صحيحاً في العالم الحقيقي، ما يعني أن قيمة التضخم المُعدّلة الحقيقية للعملة لم تكن مستقرة بل راحت تتغير مع مرور الوقت. عكست هذه النسخة فروق الإنتاجية بين بلدَين وأطلقتُ عليها اسم GSDEER، أي "سعر الصرف الحقيقي للتوازن الديناميكي في بنك غولدمان ساكس"، حين انضممتُ إلى الشركة في العام 1995.

تعلّمتُ من هذه التجربة أن العملة التي تكون بعيدة عن قيمتها العادلة بأكثر من انحرافَين معياريَين تستدعي مراقبة الوضع عن كثب. وحين يتغير الزخم القائم، من الأفضل دوماً أن نعمل على عَكس مسار هذه النزعة. قد يتبدّل الزخم بناءً على تغيّر القوى التي أبعدت العملة عن قيمتها العادلة، لكن من الأسهل رصد هذه الظاهرة بشكل عام عبر مراقبة تغيّر الأسعار بكل بساطة.

يتعلق أحد العوامل التي أحبطت المشاركين في سوق العملات على مر العقد الماضي، باستثناء الفرنك السويسري والجنيه الاسترليني، بعدم ابتعاد العملات الأساسية الأخرى عن قيمتها العادلة بالقدر نفسه مقابل الدولار أو مقارنةً ببعضها البعض. وحتى في ظل صعود الدولار خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك المرحلة التي سبقت هذا الصيف وبلغ فيها الدولار قيمة مفرطة (باستثناء الجنيه الاسترليني على الأرجح)، لم يرتفع الدولار بأكثر من انحرافَين معياريَين فوق قيمته العادلة. في هذه الظروف، أظن أن الكثيرين كانوا ليبحثوا عن فرصة لشراء الجنيه الاسترليني مقابل الدولار أو ربما مقابل الين الياباني.

يمكن فهم العنصر الدوري في حركة العملة المتقلّبة التي تؤثر على توازنها بأفضل طريقة على الأرجح عبر سعر الفائدة الإسمي المُعدّل بما يناسب توقعات التضخم. لقد أقنعتُ نفسي بأن سعر الصرف الفوري والفعلي للدولار في أي يوم من الأيام يُفترض أن يبقى قريباً من النسخة المُعدّلة من مقاربة GSDEER. وإذا لم يكن كذلك، سيستفيد التجار من الوضع.

زادت أهمية الدولار قبل انتشار فيروس "كوفيد - 19" المستجد، فقد ارتفع بدرجة لافتة على ما يبدو مقابل عملات كثيرة، بما في ذلك اليورو. في هذا السياق، كان الدولار حساساً جداً وسرعان ما تبيّن أنه يبقى هشاً تجاه أي تغيير في وضع الاقتصاد في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو معاً. الآن وقد لجأ نظام الاحتياطي الفدرالي إلى سياسة نقدية توسعية للغاية، تزامناً مع انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، يبدو تراجع الدولار حتمياً في المراحل اللاحقة.

وفق الأسعار الراهنة، حتى تاريخ 26 آب، لا يزال الدولار مكلفاً ولو بدرجة بسيطة مقارنةً بالقيمة العادلة المُعدّلة ديناميكياً. قد يستمر تراجع الدولار لفترة إذاً. في أواخر الثمانينات ومنتصف التسعينات، تراجع الدولار إلى مستويات متدنية جداً وخسر قيمته بدرجة هائلة. تزامنت هذه الأحداث مع كثرة الكلام عن ظاهرة هيمنة الدولار، لكن سرعان ما تبيّن أنها رؤية خاطئة في تلك الحقبة على الأقل. أنا أوافق على الفكرة القائلة إن الظروف القائمة تُمهّد على الأرجح لفترة مطوّلة من ضعف الدولار نتيجة السياسات الأميركية المعتمدة. لكن للتأكد من استمرار هذا الوضع، نحتاج أولاً إلى أدلة قوية تثبت قدرة أوروبا والصين ومعظم بلدان آسيا المتبقية على التحكم بفيروس "كوفيد - 19" بطريقة أفضل من الولايات المتحدة. يجب أن تحقق هذه الجهات أيضاً نتائج مفاجئة على مستوى تعافيها الدوري من الوباء المستجد مقارنةً بالولايات المتحدة.

بالعودة إلى السؤال الأول المرتبط بتراجع هيمنة الدولار، أكرر أنها مسألة مختلفة بالكامل لكني أحذر الجميع من الانغماس في هذه الفكرة والقيام باستثمارات وافرة أو اتخاذ قرارات حاسمة بناءً على هذه الفرضية.

يبقى تراجع استعمال الدولار احتمالاً وارداً وقد ينذر أيضاً بانخفاض منهجي حتى عندما تكون قيمته عالية. في آخر سنتين، عندما راحت قيمته ترتفع بدرجة كبيرة، أدت القرارات التي اتخذها صانعو السياسة الأميركييون لاستعمال هيمنة الدولار لمعاقبة البلدان الأخرى إلى تخفيض حصة تلك الدول من احتياطيات العملة بالدولار. تشكّل روسيا خير مثال على ذلك، وتكشف أدلة بسيطة أن الصين تسير على الخطى نفسها. لكن قد يكون العكس صحيحاً أيضاً.

في النهاية، يبدو أن هيمنة الدولار لن تتابع التفوق على التراجع النسبي للاقتصاد الأميركي في العالم، وهي ظاهرة متواصلة منذ 20 سنة. في مرحلة معينة، لا مفر من استبداله بعملة أخرى على غرار الرنمينبي أو اليورو أو البيتكوين أو حتى العودة إلى الذهب. هذه الاحتمالات كلها واردة وقد تتبلور على أرض الواقع. قد تبدأ هذه المرحلة الجديدة فوراً، لكن يجب ألا يخلط أحد بين هذا التطور ووجهة سعر الدولار مقابل العملات الأخرى خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة أو على مر العام 2021.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.