ليس يسيراً على الضمير الجماعي العربي الخروج من "لاءات الخرطوم الثلاثة"، المعبّرة بعمق عن حقيقة القناعة بحتمية إزالة الكيان الإسرائيلي - الصهيوني، الذي اغتصب الحق الفلسطيني بدولته الطبيعية في المدى العربي.
وليس تفصيلاً أن يجتمع أهل السنة والشيعة وغالبية عريضة من المتبعين مذاهب الأقلية، على هذه "اللاءات" الصادرة بعيد نكسة حرب الايام الستة في السادس من حزيران عام 1967 بالقمة الرابعة لجامعة الدول العربية، التي التأمت في العاصمة السودانية الخرطوم في 29 آب 1967، وخلاصتها: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض.
صحيح أن نيّفاً وخمسة عقود عبرت منذ تلك المحطة، بما فيها من موقعة حرب الغفران عام 1973، والمواجهات في لبنان بين الجيش الاسرائيلي والمسلحين الفلسطينيين، منذ 1969 تاريخ اتفاق القاهرة.
وليس عابراً مفعول اتفاق "أوسلو" ومقررات قمة بيروت عام 2002 الداعية الى حل الدولتين في فلسطين، حيث دخلت المنطقة في سبات، تترقب مسار الحوادث الإقليمية والدولية، وصولاً إلى زلزال 2005 تاريخ اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وما تبعه من اندلاع ثورة الأرز، مطالبة بالسيادة والحرية والاستقلال، وخروج القوات الرسمية السورية من لبنان.
أمّا استحقاق ما بعد تسلم "حزب الله" من النظام السوري، النفوذ المطلق في لبنان، فليس كما قبله، اذ تصادم مشروعان: الأول استعادة لبنان وإعادة بنائه على توازن متكامل بين مكوناته، ومع علاقاته العربية. والثاني، ترجمة سلطة "الممانعة" ذات النفوذ المكتمل في الهلال الشيعي بقيادة إيران الى العراق فسوريا ولبنان، ثم اليمن مع انقلاب "الحوثي" على نظام علي عبدالله صالح. أما استقطاب حماس فتم بالتدرج منذ استيعاب بن لادن في طهران، والعبور إلى "الاخوان المسلمين" في غزة ومصر وخلافهما.
وليس سرّاً أبداً أن التصادم في الوطن المتشظي، ولد تجربة السابع من أيار والهيمنة المطلقة للنفوذ الايراني، أو درة تاج المشروع الفارسي الشيعي، "حزب الله" على لبنان، واستيعاب مكوناته بالمال والنفوذ، أو بالقتل والتطويع... والبقية واضحة.
وليس زعماً باطلاً أن "حزب الله" ارتكب الخطيئة المميتة بانضمامه الى حرب "حماس" في غزة، تحت شعار "الإسناد"، معتقداً أن الفرصة نادرة لاستعادة "لاءات" الخرطوم ورمي الصهاينة في البحر، خاطباً ود العقل الجماعي العربي السني. فبعد أكثر من عام على "طوفان الاقصى"، أباد العنف الاسرائيلي غزة، وحولها ركاماً غير صالحة للسكن، فيما الحق بلبنان والحزب أضراراً غير مسبوقة بشرياً ومادياً، ولا يزال يواصل تدمير ما خطط له، مستهدفاً فرض أمر واقع جديد، يزيل من قاموسه أي فرصة خلال العقود الآتية لتكرار "الطوفان" أو "إسناد غزة من جنوب لبنان".
وبات لبنان الرسمي معلّقاً على خشبة الموت، فلا هو قادر على القبول بشروط نتنياهو لوقف آلة القتل، ولا هو قادر على مواصلة الحرب، في ظل الانهيار الشامل من جهة، والعجز الواضح من جهة ثانية، وليس في الأمر مكابرة، فإحداث الضرر في محيط حيفا ومثيلاتها، لا يقاس بما يتلقاه جنوب لبنان وبقاعه وضاحيته الجنوبية، وسواها، وما يكابده "حزب الله" من خسائر، يضعه بالمفهوم العسكري، في دائرة الهزيمة المتدرجة. أما الإنكار والمكابرة والمناداة بالنصر وتوعد الخصوم بالعقاب المبين، فلا يعدو كونه وهماً، وأي التفاف إلى الداخل سيعيد الوطن الهزيل الصحة إلى أعوام الحرب الأهلية، والتي لا يخرج أحد منها منتصراً. بل هو السقوط النهائي، الذي يستحيل النهوض من تبعاته، بلا تشوهات، ليست أقل إيلاماً من الانهيار، وحيث لا مفر من البتر حيث "السرطان" السياسي والمجتمعي بلغ مداه.
ولئلا تتلاشى آخر فرص الشفاء، ولو من دون كبير أمل، لا مفرّ من وقفة شجاعة من رئيس البرلمان، لوقف السقوط الى قعر جهنم، عبر إنقاذ ما يمكن من قدرات البيئة "الممانعة"، تفادياً لخسارة شاملة كاملة، يهمس أهلها بمشروعها القائم بتهجير واسع أو "ترانسفير" يبدل جوهرياً في خرائط المنطقة وديموغرافيتها. فهل من شجاع يقدم، أياً كان حجم التضحية؟