ريتا عازار

حين تصبح المذكّرات الحميمة للأم رواية

هل خلَّد "ويل سيلف" والدته أم خانها؟

5 دقائق للقراءة

أن يكتب المرء عن والدته، بخاصة عن حياتها الحميمة ومآزقها العاطفية، لهو أمر يحمل في ذاته جرأة غير مألوفة. ولكن أن يستخرج هذه التفاصيل من مذكراتها الشخصية دون إذنها، ويحوّلها إلى رواية أدبية فالأمر مدعاة لإثارة الجدل. هذا ما فعله ويل سيلف في روايته الجديدة "إلين" التي تحمل اسم أمّه ومذكراتها. وسيلف، الكاتب والصحافي البريطاني ذو الـ 63 عاماً، معروف بجرأته الأدبية في تناول المواضيع المثيرة للجدل، يشتهر بأسلوبه الأدبي المميّز والمعقّد، والذي يتناول قضايا مثل الهوية، الصحة العقلية والجنون.


غالباً ما تدمج أعمال سيلف بين الواقع والخيال، وتتناول مواضيع فلسفيّة ونفسيّة معقّدة، ما يجعله أحد الكُتّاب الأكثر تحدياً للنقد الأدبي في المشهد الأدبي البريطاني المعاصر. وفي روايته التي صدرت آخر الصيف، يكسر سيلف الحدود بين الخصوصية والإبداع، ليقدم نصاً يتأرجح بين العبقرية الأدبية والانتهاك الأخلاقي. فهل يمكن اعتبار هذا العمل تكريماً لوالدته أم مجرد إسقاط ذاتي يخدم رغباته ككاتب؟



امرأة مستاءة حتى من نفسها

تدور أحداث الرواية في منتصف الخمسينيّات، أي قبل ولادة الكاتب بسنوات قليلة، حيث تسلّط الضوء على حياة "إلين"، وهي ربّة منزل يهودية أميركية، تعيش حياة مليئة بالإحباط مع زوجها الأكاديمي الذي يعمل في جامعة مرموقة. تعكس الرواية واقع إلين الداخلي العميق بطريقة حميميّة تجعل القارئ يشعر وكأنه محاصر داخل أفكارها ومشاعرها. السَّرد، بصيغة الغائب القريب، يحمل صوت إلين اللاذع والمليء بالتذمر والصراحة القاسية. تبدو إلين مستاءة من كلّ شيء تقريباً: زوجها، أصدقاؤها، طبيبها النفسي، وحتى نفسها. نظرتها لنفسها مليئة بالكراهية، لدرجة أنها تحرق كتاباتها الخاصة بدافع من رغبة في تدمير ذاتها. تصف نفسها بأنها مخلوق قبيح ومظلم لا يفعل سوى السَّير بلا هدف، مع توقّف أحياناً لإنجاب طفل آخر. تعبّر الرواية عن معاناتها النفسية وصراعها مع أفكار مظلمة مثل الرغبة في إيذاء ابنها، وهو ما يعكس تأثير كراهية النساء في القرن العشرين على نفسية المرأة.


تعيش إلين في بلدة صغيرة في نيويورك، مع زوجها الذي تحتقره. تصفه بجسده الهزيل وابتسامته الطفولية الجائعة، وتنظر إلى دراساته الأكاديمية بالسخرية نفسها. رغم اعتنائه بها أثناء أزماتها النفسية، فإنّ هذا يزيد من كرهها له. حتى علاقتها بعشيقها لا تخلو من التناقض، فهي تنجذب إليه وتحتقره في الوقت ذاته بسبب سذاجته وابتذاله.



إدانة أم تكريم؟

الرواية ليست مجرّد قصة نفسية، بل إنها أيضاً انعكاس للحياة الاجتماعية والثقافية في خمسينيات القرن العشرين. تسلّط الضوء على العالم الأكاديمي بتفاصيله الصغيرة، مثل المنافسات التافهة وإدمان الكحول والحفلات ذات الطابع الفاسق. كما تنتقد بقوة التفسيرات "الفرويدية" السائدة آنذاك، التي اختزلت معاناة النساء في مفاهيم مبسطة وغير منصفة.


ما يجعل الرواية مميزة هو الأسلوب السردي الذي يمزج بين الواقع والخيال، حيث يستحضر الكاتب شخصية والدته الحقيقية في مزيج مع شخصية إلين الروائية. وبينما يكشف الكاتب عن أعمق أسرار والدته النفسيّة، فإنه بطريقة غريبة يرفع من شأنها، ما يخلق مزيجاً مدهشاً بين الإدانة والتكريم.


تظهر شخصية إلين في بداية الرواية كربّة منزل محبطة، تشعر بالملل من حياتها اليومية. ومع تطوّر الأحداث، نلمس تطوّراً في شخصيتها، فتبدأ بالتمرّد على القيود الاجتماعية وتبحث عن معنى للحياة. يمكن تفسير ذلك بأنه محاولة من الكاتب لتصوير المرأة ككائن متغيّر ومتطور، وليس مجرد ضحية للظروف.



جرأة أدبية أو "فاحشة ضد الأم"؟

لطالما اعترف سيلف بتأثير والدته العميق عليه، سواء كناقدة شرسة له أو كشخصية مضطربة. ربما جاءت هذه الرواية كوسيلة لفهم طبيعة علاقتهما المركّبة، ومحاولة للتصالح مع المشاعر غير المحلولة التي خلفتها. وقد تكون شخصية إلين انعكاساً لجزء من شخصية سيلف نفسه، عبر استكشاف رغباتها المكبوتة وصراعاتها الداخلية، ربما يحاول الكاتب مواجهة أزماته الشخصية.


الكاتب معروف بجرأته في تجاوز المحرّمات الاجتماعية. كتابة "إلين" ليست فقط تحليلاً نفسياً لوالدته، بل أيضاً تحدياً لتابوهات تتعلق بالأمومة والأنوثة والكتابة عن الحميمية.

وصف بعض النقاد "إلين" بأنها "فاحشة" ارتكبها سيلف ضد والدته الراحلة. الاعتماد على مذكراتها- التي وجدها تحت سريرها أثناء مرضها- من دون إذنها، وإعادة صياغة حياتها بجرأة أدبية تحمل لمسات ساخرة، قد يبدو لكثيرين انتهاكاً واضحاً. ومع ذلك، يرى آخرون أنّ الرواية محاولة شُجاعة لتكريم شخصية معقّدة تستحق قصتها أن تُروى.


"إلين" ليست مجرد رواية عن والدة ويل سيلف، إنها نافذة مفتوحة على صراعات الكاتب النفسية والاجتماعية. عبر هذه الرواية، يضعنا سيلف أمام سؤال فلسفي: هل يمكن للفن أن يبرّر كل شيء، حتى ما قد يُعتبر خيانة للخصوصية؟


بطاقة

اسم الرواية: Elaine

الكاتب: Will Self

الناشر: Grove Press

290 صفحة