لطالما كان "حزب الله" لاعباً محورياً في المشهد السياسي اللبناني، معتمداً على شبكة خدماته الاجتماعية والصحية والتعليمية والمالية، إلى جانب قوته العسكرية التي جعلته القوّة المهيمنة في لبنان ولاعباً إقليمياً بارزاً. تعزز دوره بشكلٍ ملحوظٍ بعد تدخله في الصراعات الإقليمية، لا سيما في سوريا واليمن. وازدادت مكانته الإقليمية مع اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، حيث ورث السيد حسن نصرالله دوره في إدارة أذرع إيران في المنطقة.
على الصعيد الداخلي، مثّل انسحاب الجيش السوري من لبنان نقطة تحوّل كبيرة، أعقبتها أحداث مفصلية أبرزها حرب تموز 2006 وغزوة السابع من أيار 2008، حيث كرّست هذه التطورات تفرّد "حزب الله" بالقرار السياسي في البلاد. وجاء الاتفاق النووي بين إدارة أوباما وإيران ليعزز هذا التفرد، متيحاً للحزب السيطرة الكاملة على القرار اللبناني.
خلال هذه الحرب تعرّض "حزب الله" لضرباتٍ قاسيةٍ غير مسبوقة. بلغت هذه الضربات ذروتها خلال الأيام العشرة الممتدّة من عملية "البيجر" وصولاً إلى اغتيال أمينه العام، وهو حدث زلزل الحزب وأثار تساؤلات جدّية حول مستقبل الحزب ودوره في المرحلة المقبلة، داخلياً وإقليمياً.
شكّل هذا الزلزال حدثاً مفصلياً في المشهد السياسي اللبناني، لكنه كشف أيضاً عجز الحكومة عن تحمّل مسؤولياتها في هذه اللحظة الخطيرة. فبدلاً من المبادرة للإمساك بورقة المفاوضات والقرار، اتّسمت مواقف الحكومة بالاستمرار بسياسة الاستقالة من دورها. عِلماً أنّ بيان الرئيس ميقاتي رداً على رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، شكّل بارقة أمل، عُوِّل عليه أن يتحوّل الى مسارٍ، إلا أنه بقي موقفاً يتيماً انتهى مع الانتهاء من صياغة البيان.
كان من المتوقع أيضاً أن تبادر قوى المعارضة إثر هذه التطورات لترتيب صفوفها وتشكيل جبهة سياسية يرى فيها المجتمع الدولي بديلاً جدياً قادراً على قيادة البلاد. لكنها بدل الذهاب إلى تشكيل جبهة سياسية جامعة، آثرت على القيام بمبادرات منفردة للأحزاب والشخصيات لم ينتج عنها توازن داخلي مع "حزب الله"، ولم تُثِر اهتمام المجتمع الدولي والعرب.
الفراغ الذي أحدثته المعارضة، إلى جانب عجز الحكومة عن التحرك بفعاليّة، منحا "حزب الله" فرصة للاستمرار في احتكار القرار السياسي، ووضع ملف المفاوضات لوقف إطلاق النار بالكامل بين يديه، مما مكّنه من التفرّد في تحديد التوقيت واتخاذ القرارات وفقاً لمصالحه وأجنداته، متجاهلاً بذلك الاعتبارات المتعلقة بالمصلحة الوطنية اللبنانية.
مع إعلان وقف إطلاق النار، دخل لبنان مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الخطيرة والمفصلية التي ستحدّد مستقبله لعقودٍ قادمة. هذه المرحلة تفرض على قوى المعارضة الخروج من حالة العجز والجمود، والانتظام في جبهة سياسيّة ذات فعاليّة وتأثير، تعمل على تحويل لبنان من "ساحة صراعات" إلى دولة ذات سيادة مكتملة الأركان. ويبدأ ذلك بإيصال رئيس للجمهورية وحكومة قادرة على تعزيز هيبة الدولة، وحصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنيّة، كما يجب ضبط الحدود، إعلان حياد لبنان، والانطلاق في ورشة إصلاحيّة شاملة.
هذا ما ينبغي أن تكون عليه معايير العمل السياسي والمؤسساتي، والمواصفات الجديدة لما يُسمّى "رئيس جامع" و "حكومة وفاق وطني". وأيّ طرف سياسيّ يرفض هذه المعايير أو يسعى لتجاوزها، مهما كانت مبرراته، يضع لبنان على مسارٍ خطرٍ يُنذر بحروبٍ أشدّ خطورة قد تهدّد بقاء الوطن.