"الكنيسة كانت عبر تاريخها راعيةً للثقافة". بهذه العبارة أجاب نائب كاهن رعية مار مارون – الجمّيزة الخوري جوزيف ملكون عن سؤال "نداء الوطن" حول سبب احتضان كنيسة الرعيّة نشاطات موسيقيّة وثقافيّة منذ العام الماضي، أبرزها أمسيات "الخميس الموسيقي" التي انطلقت في خريف عام 2023 ومن المتوقّع أن تُستكمل في موسم جديد اعتباراً من كانون الثاني 2025.
من "بيت الكنيسة" المجاور لكنيسة مار مارون التي صار عمرها 150 عاماً (بُنيت عام 1874) في محلّة الجمّيزة ببيروت، والذي انتهى ترميمه منذ مدّة قصيرة بعد الأضرار التي طالته كما المنطقة وأبنيتها إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، يعيدنا الخوري ملكون في حديثنا معه إلى تاريخيّة العلاقة بين الكنيسة والفنون، فيقول إنّ "الموسيقى والرسم، قبل غيرهما من الفنون لاحقاً، نشآ وتطوّرا في حضن الكنيسة وبدفع منها. بعد ذلك، تحديداً منذ عصر النهضة وما تلاه، بدأت الفنون تتناول أكثر فأكثر مواضيع لا دينية".
ويوضح أنّ هذا الاهتمام الكنسي بالفنون، منطلقه أنّ المؤسسة الكنسيّة معنيّة بكل ما يخصّ الإنسان، أي بكلّ ما يجعله ينمو ويكبر ويتفتّح ويطوّر ذاته. "فكلّما حقّق الانسان ذاته، كلّما صار أكثر فأكثر على "موجة ربّنا"، أي سالكاً الاتجاه الذي أراده الله للإنسان عندما خلقه على صورته ومثاله، منفتحاً على الخير والحقّ والجمال وحاضراً لسماع صوت الله في حياته".
الثقافة تبلور معنى وجودنا
يتابع الأب جوزيف ملكون شارحاً أنّ "بحكم وجود رعيّة مار مارون في محلّة الجمّيزة، في قلب العاصمة بيروت النابضة بالأنشطة الثقافية، لم يكن ممكناً إهمال هذا البُعد. مرّت علينا فترة، بعد انفجار مرفأ بيروت صيف 2020، كانت أولويّتنا في مكان آخر. لكن مع تمكّننا من تأمين الحاجات الأساسية لأبناء رعيّتنا والمحيط، لناحية ترميم المنازل وتأمين المتطلّبات اليوميّة والصحيّة والتعليميّة - علماً ألّا ثقافة من دون تعليم - ولأنّ الانسان ليس موجوداً على هذه الأرض ليأكل ويشرب فحسب، وإلا صار كالكائنات الحيّة الأخرى التي تعيش لتأكل وتشرب من دون أي بُعد آخر لحياتها، التفتنا إلى الثقافة".
ويزيد الخوري ملكون أنّ لِكَون الثقافة من الطرق والوسائل التي تجعل الإنسان يبلور معنى وجوده، وتعطي معنى لهذا الوجود، "بدأنا بنشاط "الخميس الموسيقي"، وطموحنا عندما تعود أحوال البلد فتسمح، أن تتوسّع نشاطاتنا الثقافية لتشمل المعارض الفنّية والندوات الثقافية، لربما نشكّل حينذاك نوعاً من المركز الثقافي في المدينة".
موسم أول جيّد جدّاً
الموسم الأول من "الخميس الموسيقي"، بين خريف 2023 وربيع 2024، يرى الخوري ملكون أنه كان موسماً جيّداً جدّاً رغم ظروف لبنان والإمكانات التنظيميّة المتواضعة. وبعد شكر الله على ما تحقّق، شكر كلّ الفنانين والموسيقيين اللبنانيين الذين شاركوا في حفلات ذلك الموسم، "فالأولويّة كانت للتعاون مع فنانين لبنانيين، ولولا قناعة هؤلاء، خصوصاً بالنسبة للأجور التي تقاضوها، لَمَا استطعنا تحقيق ما قمنا به لأن لا إمكانات مادية كبيرة لدينا. فكانت النتيجة أننا تعاونّا مع فنانين بمستوى عالٍ إنما بأجور مقبولة".
برنامج الموسم الماضي من "الخميس الموسيقي" كما برنامج أمسيات هذا الموسم، أُعطيت فيه الأولويّة لموسيقيين ومغنّين من لبنان، أو من أصول لبنانية مقيمين في الخارج. لكنّ الأوضاع الأمنيّة في البلد، منذ تشرين الأول 2023، جعلت القيّمين على هذا النشاط يضطرّون إلى الحدّ كثيراً من التعاون مع الفنانين المقيمين خارج البلد، لعدم تعريضهم إلى مخاطر الوضع غير المستقر في لبنان، وإلى مخاطر السفر في ضوء حال الطيران والمطار ومحيطه منذ ذلك الحين. وهذا ما جعل المنظّمين يلغون إحدى الأمسيات "لأننا لم نكن أكيدين أنّ الفنان إذا حضر من الخارج يمكنه أن يعود"، كما قال الخوري جوزيف ملكون، الذي أشار أيضاً إلى أنّ "لجنة "الخميس الموسيقي" كانت مصمّمة على اختتام الموسم الأول بحفل يحييه فنانون وموسيقيون من "أولاد الرعيّة" الذين يخدمون مناسبتها الدينيّة، وهم موسيقيون محترفون، وقد حصل ذلك بالفعل السنة الماضية".
حضور من كلّ الأعمار
عن الفئات العمرية المهتمّة بحضور هذا النوع من الأمسيات الموسيقيّة، يشير الخوري ملكون إلى أنّ الجواب عن هذا السؤال "يحتاج إحصاءً دقيقاً لأعمار الحضور، وهذا غير متوفّر لدينا. لكن بحسب مشاهداتنا فالحاضرون كانوا من كل الأعمار، من الشباب وكبار السن، ومَن هم في متوسط العمر. والأهم أنّ محبّي الموسيقى الكلاسيكية، فاجؤونا بحضورهم أيضاً أمسيات الموسيقى الشرقيّة، وقد فرحوا بهذا النمط وكأنهم اكتشفوا نوعاً جديداً من الموسيقى!".
الجمال يرفعنا نحو الله
ولأنّ البعض ينتقد إقحام ما هو غير ديني داخل الكنائس ويفضّل أن يقتصر ما يقام في داخلها على الرتب الروحيّة والخدم الليتورجيّة، سألنا الخوي جوزيف ملكون عن هذه النقطة، فأجاب أنّ "كلّ أنواع الجمال عندما تُقدّم وتُمارَس بشكل رصين لا تعود غريبة أو بعيدة عن الروحانيّات. فالفلسفة تعلّمنا أنّ ما هو صالح وحقيقي وجميل في هذا العالم، يختصّ بالانسان. والصلاح والحقّ والجمال هي من صفات ربّنا، فهو صالح، ومصدر للحق، وهو جميل ويخلق الجمال. وبالتالي كلّ أشكال الجمال التي تمارَس برصانة ترفعنا في اتجاه الله. وهنا لا تعود الكنيسة غريبة عن ذلك، طالما أننا نقدّم هذه الأمسيات بشكل رصين، فلا رقص مثلاً خلالها، أو سواها من أمور غير لائقة".
ويرى الخوري ملكون أنّ "الموسيقى تبقى أصيلة حتى لو لم يكن موضوعها دينياً بحتاً، أو تناولت الحب البشري على سبيل المثال. فهذا الحب خلقه الله، وسفر "نشيد الأناشيد" في "الكتاب المقدّس" إذا قرأته سطحيّاً ستجد مجموعة قصائد غرامية، أما في العمق فهو كلام الرب عن علاقته بالانسان وعلاقة الانسان به. لذا يمكن للكنيسة أن تستقبل مثل هذه الأمسيات شرط أن تتمتع بالرصانة، وهذا مؤمّنٌ دوماً في أمسياتنا".
ويختم الأب جوزيف ملكون حديثه لـ "نداء الوطن" بالإشارة إلى أنّ "مشروعنا لا يقتصر على تقديم أمسيات الموسيقى الكلاسيكية الغربية، فنحن نضع تحت خانة موسيقى كلاسيكية كل ما هو موسيقى أصيلة، أكانت شرقية أو غربية، دينية أم دنيوية، موسيقى صامتة أو موسيقى يصحبها الغناء. هدفنا أن نقدّم لجمهور "الخميس الموسيقي" كل صنوف الموسيقى الأصيلة".
لجنة "الخميس الموسيقي" وموعد العودة تتألف لجنة "الخميس الموسيقي" في رعيّة مار مارون – الجمّيزة، من السيد موزار شاهين، رئيساً، ونائبته السيدة جمانة أبي مرعي، والدكتور انطوان كرم، وهو موسيقيّ أيضاً، أميناً للسرّ، والسيدة مي نهرا المسؤولة عن العلاقات الإعلامية، إضافةً إلى تقنيّ الصوت السيد شربل الهراوي، والخوري جوزيف ملكون، نائب كاهن الرعيّة، وهو متخصّص في الفن التخطيطي والموسيقى والرسم، قبل أن يتوجّه إلى اللاهوت والكهنوت. وبسبب تدهور الأوضاع الأمنية والحرب الإسرائيليّة على لبنان، أُلغيت برمجة أشهر أيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني 2024، علماً أن الأمسيات تتوقّف في شهر كانون الأول إفساحاً في المجال لمهرجان "Beirut Chants" الذي تقام أنشطته في كنائس بيروت. لكنّ الخوري ملكون يشير إلى أنّ "قرارنا المبدئي أن نبدأ أمسيات الموسم الحالي في كانون الثاني 2025 من حيث وصل إليه البرنامج الموضوع. للأسف لن نتمكن من إعادة جدولة الحفلات التي كانت مقرّرة في أيلول والتشرينَيْن. لكن تبقى العودة مربوطة بحال البلد، خصوصاً إذا وجدنا أنّ الناس صاروا مستعدين للتوجّه نحو هذا النوع من النشاطات وللخروج ليلاً بطمأنينة، لأنّ أمسياتنا تقام مساءً". |
أمسيات 2025 أمسيات "الخميس الموسيقي" تقام الثامنة مساء الخميس الرابع من كل شهر في كنيسة مار مارون - الجمّيزة. والبرمجة ستكون كالتالي: كانون الثاني: السوبرانو نادين نصار وعازف العود سمير نصر الدين. 6 شباط: أمسية خاصة بعيد مار مارون، شفيع الرعيّة، مع الخوري جوزيف ملكون. شباط: الفنانة أميمة الخليل. آذار: أغنيات فولكلوريّة مع فرقة "خوابي النغم" بقيادة الخوري حنا عيد. نيسان: عازفة البيانو شانتال فرنسيس. أيار: الفنانة ألين لحود إحياءً لذكرى روميو لحود وسلوى القطريب. حزيران: جوقة رعيّة كنيسة مار مارون – الجمّيزة. |



