عيسى مخلوف

هل الناجون نجوا فعلاً؟

4 دقائق للقراءة
تفصيل من لوحة للفنّان الإيطالي تيسيانو

استهلّ رئيس المحكمة، القاضي ريجيس دو جورنا، الجلسة بالعبارة التالية: "نستمع اليوم إلى الشهود الذين لم يصابوا بجروح في اعتداء السابع من كانون الثاني 2015، وغداً نستمع إلى الجرحى". "ضحايا من دون جروح بادية للعيان"، ردّدت بصوت، أشبه بالحشرجة، سيسيل توما التي كانت حاضرة بين الشهود، وكانت في اجتماع التحرير حين تساقط أمامها ضحايا الاعتداء على مجلّة "شارلي إيبدو" في الدائرة الحادية عشرة في باريس. كأنها في ردّها هذا تقول لرئيس المحكمة: "لقد نجونا لكنّنا مليئون بالموتى".

على ذراعها اليسرى وشَمَت سيسيل صورة حُوت مُحاط بمراكب، وفي تلك المراكب اثنا عشر شخصاً هم القتلى الذين رأت كيف قُتلوا، وبينهم من لم يكن من فريق التحرير وتواجد هناك بالصُّدفة. قالت: "حاولتُ أن أخرجهم من رأسي وأضعهم على ذراعي فيصبحون جزءاً منّي".

رسّام الكاريكاتور جورج فولينسكي الذي تجاوز الثمانين من عمره كان بين الضحايا، وهو أحد الآباء الروحيين لعدد كبير من رسّامي الكاريكاتور في فرنسا. نَهجُه يُختصَر في عبارة واحدة: ممارسة النقد من خلال الهزء. الهزء من السلطة ومن أصحاب الجَبَروت. وهو كغيره من رسّامي الكاريكاتور الذين لا يتوقّف حسّهم الساخر عند هذا الحدّ، بل يسخرون أيضاً من أنفسهم ومن حياتهم الشخصية. يضحكون من العالم ومن مآسي العالم، لكنه "ضحك كالبكاء"، بحسب توصيف المتنبّي.

هكذا تبدو مواقف جورج فولينسكي تجسيداً للسخرية المُشبعة بالاستفزاز وحرّيّة التعبير والجرأة. عندما سُئل يوماً كيف يتخيّل موته، أجاب مازحاً: "قلتُ لزوجتي أن ترمي رمادي في المرحاض فأرى مؤخّرتها كلّ يوم". أمّا رسّام الكاريكاتور ستيفان شاربونييه (48 عاماً) الذي وصلته تهديدات بالقتل، فكان قد صرّح، قبل أيام قليلة من مقتله، أنّه لا يخشى الانتقام المحتمَل: "لا أطفال لديّ، ولا زوجة ولا رصيد في البنك. قد يكون ما سأقوله غريباً بعض الشيء، لكنّي أفضّل أن أموت واقفاً على أن أعيش جاثياً على ركبتيّ". الرسم الأخير الذي أنجزه شاربونييه وصدر في المجلّة صباح يوم الاعتداء تحت عنوان "ما من اعتداءات في فرنسا حتّى الآن!"، يمثّل أحد الجهاديَّين وهو يقول: "انتظروا! نُمهلكم حتى نهاية كانون الثاني لتقديم التهاني والتمنّيات بالعام الجديد".

الإحساس بالذنب لا يزال يرافق بعض الناجين خصوصاً كورين راي التي كانت تهمّ بالخروج من المبنى واقتادها المسلّحان بالقوّة لتدلّهما على مكاتب المجلّة. الإحساس بأنّ الذين ماتوا إنّما ماتوا عنهم ومن أجلهم أيضاً. أحد الناجين اخترق الرصاص عموده الفقري وفقدَ القدرة على الحركة. جاء في شهادته: "لقد قتلوا زملائي ولم يتمكّنوا منّي، لكنّهم تمكّنوا منّي". إنه شعور المصلوب على الصليب، شعور من لا يعرف إن كان في عداد الموتى أو في عداد الأحياء. الذين يقتربون إلى هذه الدرجة من الموت ويرونه بعيونهم لا يعودون إلى الحياة التي كانت. ولا تعود حياتهم هي نفسها أولئك الذين يفقدون شخصاً تداخلت أيّامهم في أيّامه ومشاعرهم في مشاعره.

خمس سنوات بعد الاعتداء على المجلّة الباريسيّة الساخرة لم تكن كافية ليتخلّص الناجون من الموت الذي يلاحقهم: الذي أصيب بالرصاص ولم يمت والذين لم يصابوا مباشرةً وظلّوا يحملون في نفوسهم جروحاً لا تندمل. أتابع أخبار المحاكمة التي تجري الآن في العاصمة الفرنسيّة وأفكّر في جميع الذين تعرّضوا إلى هجمات واعتداءات وحروب، وإلى انفجارات كبرى، مدبَّرة ولو عن غير قصد، كالانفجار الذي حصل في بيروت، وهو انعكاس لنهج عامّ ولسلوك في الحُكم حين تسيطر عليه حفنة من الوحوش.

أفكّر في ضحايا هذا الانفجار، صغاراً وكباراً. ولا تبارح ذهني ابتسامة الطفلة ألكسندرا. إنّ إطفاء ابتسامتها، حتّى قبل أن تكتمل، اعتداء على مستقبل بلد بأكمله، ويتوقّف على اللبنانيين قبل غيرهم الردّ على هذا الاعتداء. وعليهم، قبل غيرهم أيضاً، تخليص الواقع من الشعارات ومن طُبول الكلام الفارغ والعبارات الجاهزة المنتهية الصلاحية: طائر الفينيق والأرز الخالد... أيّ مفارقة هي هذه حين نتحدّث عن بلد الأرز الخالد بينما البشر الذين يقيمون فيه يعيشون، منذ قرابة النصف قرن، هشاشة الوضع الإنساني في أقصى حدودها، ويمضون حياتهم كلّها عند الحّد الفاصل بين الحياة والموت، لا أحياء تماماً ولا موتى؟