نجيب جورج عوض

الملحمة السورية... من "فتنة المشاعر" إلى "واقعية الحقائق"

6 دقائق للقراءة
من احتفالات السوريين بسقوط النظام في اسطنبول أمس (رويترز)

ما حصل في سوريا هذه الأيام هائل وتاريخي، وينهي نصف قرن مظلم ومقيت وبشع. تغيّرت الوقائع الميدانية ومجريات الأحداث بسرعة رهيبة كادت تقطع أنفاس السوريين الذين تابعوا بمشاعر عارمة وعميقة التحوّل الحاسم الذي يجري لبلدهم هذه الأيام. يفهم المراقب تماماً غرق الغالبية الساحقة من السوريين (في الداخل والخارج) العاطفي والسيكولوجي بالفرحة والرجاء وانجرافهم خلف مشاعر وأحاسيس مختلطة وعميقة وانفعالية، حرمتنا من النوم والراحة ونحن مسمّرون وراء شاشات الكمبيوتر أو التلفاز نتابع ما تنقله لنا وسائل التواصل والإعلام.




لكن، وبعيداً من تسونامي المشاعر والسيكولوجيات، فإن فهم ما يجري وقراءته بعقل سياسي ومنطقي بارد يحتاجان منا الخروج من دوامة المشاعر والعواطف والأمنيات والأحلام. نحتاج أن نقرأ المعطيات والحقائق الواقعية ضمن الإطار الجيوسياسي الناظم الذي جعل التطوّرات تؤول إلى ما آلت إليه. هناك برأيي مجموعة من الحقائق الموضوعية التي يجب أن ننتبه إليها وأن نقرأها كي نحلل المشهد ونقرأ ما حدث وسيحدث بشكل صحيح وعميق وسياسي. وهي حقائق أسمّيها أنا "حقائق ما فوق-طرفية"، أي أنها تعلو فوق الطرفين المتصارعين والمتحاربين على الأرض وتتجاوز مسألة التفكير فقط بمن انتصر ومن انهزم. وتلك المعطيات هي التالية:




1- منذ دخلت روسيا إلى المشهد السوري في عام 2015 عملت بالتنسيق مع الإيراني على تحييد النظام الحاكم في البلد وعلى تفريغ سلطته وحوكمته من أي مضمون أو تأثير، فبقي النظام مجرد واجهة رسمية تمثيلية بلا دور ولا تأثير على اللعبة الجيوسياسية المتعلّقة بالبلد. من هنا، فإن الدعوة إلى إسقاط النظام كصاحب السلطة في البلد نافلة وبلا مضمون سياسي حقيقي، بل مجرّد دعوة معنوية وأخلاقية يحتاج الشعب السوري إليها لاستعادة شيء من الإنسانية والكرامة.




2- خلال سنوات الثورة والحرب، كان الملف السوري مُعهَّداً للإيراني بقرار أميركي. وقد اضطرّت أميركا لإشراك الروسي في الملف عام 2015 لضرورات تتعلّق بالعمق الأوروبي. اليوم، انتقل الملف السوري من يد الإيراني بعد أن باتت المنطقة تحت الإدارة المباشرة للإسرائيلي الذي يُفضل أن تشارك تركيا الروسي في إدارة سوريا. ولهذا، تقف روسيا متفرّجة عسكريّاً وتؤدّي دوراً توفيقياً سياسيّاً مع التركي.




3- مفارقة أن تكون تركيا الدولة العلمانية القومية تعمل على خلق نظام إسلامي محافظ، فوق - قومي وفوق - قطري في سوريا الجديدة. وهذا البديل الإسلامي يبدو مقبولاً لإسرائيل، خصوصاً أن حكومة أردوغان هي صديقة لإسرائيل وشريكة لها وقد دعمت جيشها بالذخيرة والعتاد أثناء حرب إسرائيل الإجرامية ضدّ غزة وعملية تدميرها "حماس" و"حزب الله". هل سيعني هذا أن سوريا ماضية نحو "الأفغنة" و"الطلبنة"؟ ليس بالضرورة. ولكنها ستكون دولة ذات ماهية إسلامية محافظة، درجتا اعتدالها ومرونتها تحدّدهما براغماتية الحكم وسيرورته. في أية حال، عملية أسلمة المجتمع السوري دوغمائيّاً ومجتمعيّاً بدأت منذ عهد بشار الأسد، وهي ستستمرّ وتتعزز.




4- "هيئة تحرير الشام" كانت وما زالت "جبهة النصرة" الإسلامية الراديكالية التي تنتمي عقائديّاً وفكريّاً لمدرسة فكر "القاعدة" و"داعش" الابن- تيمي. هذا لم يتغيّر. ويبدو من تصرّفات قائدها ومظهره الجديد بأنه يُعدّ نفسه إمّا لرئاسة سوريا الجديدة وإمّا لتولّي منصب رئاسة حكومتها. إن حدث هذا، فسنشهد تعييناً لقائد من "القاعدة" و"داعش" في موقع رئاسي قيادي في إحدى دول الشرق الأوسط، وباعتراف وقبول من صناع القرار الدولي.




هذه ستكون سابقة مثيرة جدّاً للاهتمام. ولربّما أميركا مهّدت السبيل لها حين سلّمت الحكم والسلطة لرجالات القاعدة الطالبانيين في أفغانستان. فالجولاني المذكور وميليشياته قمعوا الثورة المدنية وحاربوا كتائب "الجيش الحرّ" في معارك دموية، وطبّقوا على دويلتهم في إدلب مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وقمعوا الحرّيات وانتهكوا الحرمات وارتكبوا الفظائع. واليوم تحوّل بقدرة قادر إلى القائد الأعلى لثورتنا وإلى الممثل السياسي الوحيد لها، لعلّ المستبد يحتاج إلى مستبد آخر ليقارعه؟




5- القيادات السياسية والأمنية الأوروبّية على تواصل مع الجولاني و"جبهة النصرة" بشكل مستمرّ، وقد ساعدوه على خلق دورة اقتصادية ومالية في إدلب من خلال المساعدات المالية والعينية التي أرسلوها إلى منطقته عبر المنظّمات الإنسانية. كما أن عائلات العديد من قيادات ومقاتلي "جبهة النصرة" يعيشون كلاجئين في دول أوروبا برعاية الحكومات الأوروبّية المُضيفة لهم، وأرباب تلك العائلات يتردّدون على أسرهم دوريّاً تحت أعين الاستخبارات الأوروبّية. ليس مستغرباً أن نرى الجولاني يُمارس سياسات معاكسة لـ "قاعديّته" و"داعشيّته" و"سلفيّته" السابقة كي يؤدي الدور الجديد وتُلمّع صورته، في مقابل مساعدته الأوروبّيين على إعادة أكبر قدر من اللاجئين السوريين إلى أرضهم حين يصل إلى الحكم.




6- منذ 2013، عمل السوريّون في اللوبي "الإخواني" في واشنطن على إقناع الإدارة الأميركية بالسماح بقيام بديل هو حكم إسلامي في سوريا. وقد فشلوا بإقناع إدارة أوباما بذلك، ونجحوا بشكل جزئي مع إدارة بايدن، ويبدو أنهم سينجحون مع إدارة ترامب المركنتيلية. ما سيُقرّر المخرجات هو طبيعة الصفقة التي سيعقدها ترامب مع إيران قريباً.




7- إسرائيل باتت المدير الأوّل والمباشر لمنطقة الشرق الأوسط الجديد. ودول المنطقة المختلفة تسير في طريقٍ واضح المعالم نحو التطبيع مع إسرائيل وصولاً إلى السلام الكامل، بعدما يتمّ إيجاد ترتيب معيّن مرضٍ لكلّ الأطراف يُتيح للفلسطينيين تأسيس دولتهم وإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. ومع المدير المستجدّ الذي توسّعت صلاحياته وأدواره، سنشهد موظّفين وعدّة شغل مختلفين في المنطقة.




سقط نظام الطغيان والقمع في سوريا وعدنا أحراراً. والحقائق التي سردتها في الأعلى، ستكون الإطار الجيوسياسي الذي نحتاجه لفهم كيف ولماذا جرت الأحداث وما الذي سيتقرّر ضمن معاييره من نتائج لاحقاً. في كلّ الأحوال، أخشى شخصيّاً أنه كائناً ما كانت النتائج والمآلات، فإنها لن تمثل تحققاً واقعيّاً لأحلام السوريين وآمالهم عن سوريا التي يتمنون. فالسياسة لا تخلق "يوتوبياً"، وألعاب السلطة لا تقوم على "الفنتازيا". أمامنا درب جلجثة طويل مقبل. أما الآن: فسوريا حرّة حرّة.