سامر زريق

نهب "المركزي" وتخلّى عن معاونيه

بشار... الطاغية الذي باع نفسه!

5 دقائق للقراءة
"طوفان الأقصى" أطاح الأسد (رويترز)

أثناء توجه الطائرة نحو المنفى الروسي، راحت ذاكرة طاغية الشام تستحضر صوراً، تختصر قرابة عقدين ونصف من الحكم "الطاووسي"، وكيف ورِث عن والده دولة كانت لاعباً جيوسياسياً أساسياً في المنطقة، وكيف انحسر نفوذها على يديه، حتى صارت واحة لاحتلالات تتناسل بعضها من بعض، إلى درجة أنه بالكاد احتفظ بالإمرة على قصر "المهاجرين" ومحيطه.


قصة انهيار "إمبراطورية الدم" التي بناها والده، مثل قطع "الدومينو"، انطلقت ذات خريف من عام 2004، حينما استدعى رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري، وأزبد وأرعد مهدّداً بتحطيم لبنان فوق رأسه، فقط لأنه ومعه المجتمع الدولي يُريدان منه تسمية رئيس لوصايته غير "العماد البحّار"، من دون أن يُنازعه أحد في نفوذه، إلّا أنه رفض واستكبر.


مذّاك والأحداث تتوالى، و"الإمبراطورية" تتفسّخ، على وقع إدمانه الموروث من والده على صفقات البيع، والرقص فوق الدماء، حتى وصل إلى لحظة لم يعُد لديه ما يبيعه، بل إن رأسه وجثّة نظامه صارا محور الصفقات على "طاولة أستانا" في الدوحة.


نجح الأسد في إنقاذ نظامه بعد أن كانت الثورة على قاب قوسين أو أدنى من التهامه، بفضل المناخ الدولي السائد في تلك الحقبة، على وقع المفاوضات بين إدارة أوباما وطهران لعقد اتفاق نووي. بيد أن "طوفان الأقصى" أطاح بكلّ المعادلات والتوازنات السياسية، وأنتج مناخاً دولياً مضاداً، مهّد الطريق لما حصل في غزة ولبنان وسوريا، وما يُمكن أن يحصل في طهران نفسها.


سقط الطاغية، إلّا أن ثمة الكثير من الغموض ما زال محيطاً بتفاصيل وتطورات هذا السقوط المدوّي. تشير معلومات مستقاة من مصادر دبلوماسية إلى أن الأسد حاول إنقاذ عرشه المتهاوي، فطرق "الباب العالي"، لكنه وجده موصداً بعد إمعانه في تضييع الفرص التي قدّمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للحوار معه. وهذا ما أطلق يد أنقرة في قيادة عملية مفاوضات سياسية مع الفاعلين والمؤثرين على الأرض السورية، تسارعت وتيرتها على وقع تقدّم الفصائل المسلّحة الميداني السريع، نتيجة التدريب المنظّم والتحضير للعملية منذ سنتين على الأقلّ.


مقابل التفسّخ الأخلاقي والمالي والشللي لجيش الأسد، والذي استجدى دعم العراق مع احتدام طوق حماة، عبر "الحشد الشعبي" أو الحكومة، لكن بغداد أبت لعدم استعدادها دفع الفاتورة "الأميركية". يوم الجمعة 6 كانون الأوّل، أطلق أردوغان، المقلّ في تصريحاته أخيراً، تصريحاً واضحاً: الهدف دمشق. تلاه في اليوم التالي، اجتماع استخباراتي لتبادل المعلومات بين أطراف "مسار أستانا" في مدينة "غازي عنتاب"، في الوقت الذي كان فيه أردوغان يعقد مؤتمراً لحزبه في المدينة نفسها، يؤكد فيه الهدف المُعلن.


حتى صباح السبت، كان الحلّ الذي جرى التوصّل إليه، برعاية عربية - خليجية، حسبما كشفت مصادر دبلوماسية، إطلاق حوار مع المعارضة، وتوسيع الحكومة، وتنازله عن قسم وازن من صلاحياته لها، مع التعهّد بإجراء انتخابات نيابية خلال 6 أشهر، وعدم ترشحه لرئاسة الجمهورية. وهذا ما أبلغه الأسد إلى حاشيته المقرّبة، ووجهاء الطائفة العلوية، على أن يُعلن هذه الخطوات في كلمة متلفزة. ترجم هذا الاتفاق بعبور شقيقه ماهر الأسد، قائد الذراع الميليشياوية "الفرقة الرابعة" إلى العراق عبر معبر "القائم"، قبيل سويعات من سيطرة فصائل مسلّحة على البوكمال.


خلال اجتماع "وزراء خارجية أستانا"، أنقرة وموسكو وطهران، عصر السبت، والذي عاد وضمّ نظراءهم في السعودية والإمارات والأردن ومصر، حاول الوزير الإيراني عباس عراقجي تثبيت خطوط الاشتباك على وضعها الميداني الراهن، مقابل تعهّد الأسد ببدء الحوار مع المعارضة فوراً. لكن نظيره التركي رفض، وأكد أن المعارضة لم تعُد تقبل بمثل هذا الحلّ بعدما صارت موازين الميدان مائلة لصالحها.


كان جميع الحاضرين موقنين بأن بشار الأسد صار مفلساً، ولا سيما بعدما تبلّغ المجتمعون بالصفقات التي عقدها مع المعارضة عبر قنوات غير مباشرة، لتسليم بعض المدن بلا قتال، علاوة على تأمين أنقرة تواصلاً بين الفصائل المسلّحة وطهران، حصلت الأخيرة من خلاله على ضمانة بحماية المقدّسات والمناطق الشيعية. والأمر نفسه بالنسبة إلى موسكو التي تمتلك أساساً خطوط تواصل مع بعض أركان الفصائل، التي سبق أن تعاونت معها في اتفاقات التسوية.


كلّ ذلك أنضج القرار بتشكيل ما يُمكن اعتباره هيئة حكم انتقالية خلال أيام لإطلاق ورشة سياسية - دستورية، وضمان خروج آمن للأسد وعائلته فقط، في ظلّ محاذير عربية من إتاحة الفرصة للتنكيل بهم، على غرار مشهدية الزعيم الليبي معمر القذافي، واحتمالية تكريسه كعرف يطال كلّ حاكم في ما بعد، مثلما حصل في العراق منذ مجزرة الرحاب. الإشارة الأوضح لرضوخ إيران لفكرة سقوط الأسد تتمثل باستخدام إعلامها مصطلح "المعارضة المسلّحة"، عوض "المجموعات الإرهابية"، ووصف عراقجي لها بـ"الشرعية".


تشير معلومات خاصة بـ "نداء الوطن" إلى أن الأسد التقط الإشارات الواردة من الدوحة بسرعة، و"جمع شمله"، ووضّب أموالاً هائلة نهبها من خزينة البنك المركزي، وقطع ارتباطاته من دون أن يخبر أحداً من معاونيه. وانتقل بسرعة إلى مطار دمشق ليستقلّ مع عائلته فقط طائرة روسية عمدت إلى إطفاء أجهزتها فوق الساحل السوري لضمان عدم تعقبها.