هشام بو ناصيف

أسئلة سوريا

5 دقائق للقراءة

الأسئلة التي يطرحها الزلزال السوري بعد سقوط نظام بشّار الأسد أكبر من أن يختصرها مقال. ولكنّ المسائل أدناه ستكون أساسيّة بتحديد مسار التحوّلات السوريّة القادمة:  


1) هل ستحافظ الفصائل السوريّة المنتصرة على وحدتها، أم تغرق بالصراع الداخلي على السلطة؟ السؤال مشروع على ضوء التجارب المشابهة بالحروب الأهليّة. على سبيل المثال، لا الحصر: قاتل المجاهدون معاً في افغانستان ضدّ النظام الشيوعي بكابول طوال الثمانينات؛ ثمّ قاتلوا بعضهم بعضاً بعد سقوط نظام نجيب الله عام 1992. قاتل الأكراد معاً ضدّ نظام صدّام حسين في العراق؛ ثمّ قاتل مناصرو البرزاني والطالباني بعضهم بعضاً بالتسعينات.


قاتلت الميليشيات المسيحيّة معاً ضدّ الفلسطينيّين بالسبعينات في لبنان؛ ثمّ مزّقت بعضها بعضاً بالثمانينات. هل ستتجنّب الفصائل السوريّة الاقتتال الداخلي؟ لا شيء أخطر وأهمّ من هذه المسألة تحديداً لأنّ اللاعب العربي السنيّ عاد الأقوى بسوريا. الحفاظ على حدّ أدنى من الوحدة بين فصائله سيوفّر على سوريا مصير اليمن وليبيا والصومال، عنيت انفجار الدولة التامّ؛ والعكس صحيح.  



2) كيف سيتعامل حكّام سوريا الجدد مع مسألة التنوّع الاثني والطائفي بسوريا؟ المسألة الأكثر الحاحاً هنا هي المسألة العلويّة. الفظائع التي اقترفها الأسد بحقّ المكوّنات السوريّة عموماً، والمكوّن السنّي بشكل خاصّ، خلّفت كمّاً هائلاً من الضغينة على العلويّين، أداة آل الأسد بقتل السوريّين واذلالهم على مدى خمسين عاماً. نعلم أنّ هذا النوع من المسائل لا يحلّ بخطابات عامّة عن التسامح، وزجليّات الوحدة الوطنيّة؛ ولكنّنا لا نعلم كيف يحلّ. ربّما تكون تجربة أفريقيا الجنوبيّة بعد الأبارتايد جديرة بالدراسة هنا، ولكن ليس واضحاً ما اذا كان في سوريا نلسون مانديلا ما يقودها على طريق المصالحة الوطنيّة.  



من جهة ثانية، عانى الأكراد من التمييز ضدّهم منذ رحل الفرنسيّون عن سوريا بالأربعينات من القرن الماضي. هل ستتصالح سوريا الجديدة مع حقيقتها القوميّة  الثنائيّة كوطن عربي- كردي؟ استطراداً: هل سيكون الدستور السوري محايداً دينيّاً – أم سيفرض الاسلام ديناً للدولة، ما يحوّل "النصارى" الى مواطنين من فئة ثانية في بلاد سبقوا المسلمين اليها بستّة قرون؟ ماذا، أيضاً، عن الدروز، وعلاقتهم المشوبة بالحذر المتبادل مع دمشق، من زمن أديب الشيشكلي الى اليوم؟  



بالأيّام الماضية، برزت أصوات سوريّة مختلفة تطرح هذه المسائل بجرأة، وتنادي بالفدراليّة كحلّ لها. هذه ومضات جيّدة؛ ولكنّ معركة الفدراليّين بسوريا ستكون أصعب بعد من معركتهم بلبنان، لأنّ عبث النظريّات القوميّة واليسارويّة المختلفة بالعقل السوري أشدّ بعد وألعن من عبثه بالعقل اللبناني. وان كانت مسألة العلاقات السنيّة – السنيّة في سوريا تطرح اشكاليّة قيام الدولة، أو انفجارها، فإنّ اشكاليّة العلاقة بين السنّة العرب والآخرين تطرح اشكاليّة وقف الحرب الأهليّة، أو استمرارها.  



3) هل ستترك الدول المحيطة بسوريا لها مجالاً لتتنفّس، أم ستعود البلاد الى ما كانت عليه بعقد الخمسينات خصوصاً، أي كساحة للعبة الأمم؟ ليس سرّاً طبعاً أنّ تركيا تقف بقوّة خلف الفصائل السنيّة التي أسقطت بشّار الأسد. وليس سرّاً أيضاً أنّ دول الخليج العربي كانت طبّعت علاقاتها مع النظام السوري تحديداً لأنّها تفضّله على الاسلاميّين المنتصرين حاليّاً. ولا هو سرّ، أيضا، أنّ للأميركيّين وجوداً عسكرياً بسوريا بحجّة محاربة داعش؛ وللروس قاعدة بحريّة في طرطوس؛ هذا فضلاً طبعاً عن التوسّع الاسرائيلي المستجدّ بالجولان.


واذا ما أضفنا الى كلّ ذلك أنّ الميليشيات الموالية لطهران تحاصر سوريا من الشرق (العراق)، والغرب (لبنان)، بدا المشهد السوري واضحاً بكلّ تعقيداته الدوليّة، ومفتوحاً على احتملات الصراعات العربيّة – التركيّة؛ والعربيّة – الايرانيّة؛ والايرانيّة – الاسرائيليّة؛ والايرانيّة – التركيّة؛ والأميركيّة – الروسيّة؛ والأميركيّة – الايرانيّة. كيف ستنتزع سوريا قرارها الوطنيّ الحرّ من كلّ هؤلاء اللاعبين... وهل ستنتزعه؟    



4) هل سيتصالح العقل السوري مع سيادة لبنان، واستقلاله، ويتحرّر من خرافة "استعادة" لبنان "السليب" الى سوريا؟ لو فعل العقل السوري ذلك، فعليه أن يقدّم اعتذاراً رسميّاً، باسم الدولة السوريّة، عن تاريخ الأنظمة السوريّة المتعاقبة بالتعاطي مع لبنان. بعدها، فقط بعدها، يمكن بناء علاقة سليمة بين البلدين الجارين على قاعدة الامتناع المتبادل عن التدخّل بالشؤون الداخليّة لكلّ منها. وعند الواعين من اللبنانيّين ما يكفي من الفهم ليعلموا أنّ مشكلتهم كانت مع حكّام سوريا، لا مع السوريّين كسوريّين. أمّا لو عاد حكّام سوريا الجدد الى أحلام السلبطة على لبنان، فسيجد البلدان نفسيهما مجدّداً بنقطة الصفر. هذا علماً أنّ استعداد جلّ اللبنانيّين للقبول مجدّداً بتدخّل دمشق بشؤونهم معدوم.