بعلبك - يودّع النازحون السوريون بلدة عرسال للعودة إلى بلداتهم المحررة في سوريا، بعد نزوح دام 13 عاماً، هرباً من براميل الأسد المتفجرة، وقد دفعت عرسال فاتورة العداء لنظام القتل والتهجير والتضييق عليها من الداخل والمحيط، وألصقت بشبابها تهم الإرهاب.
لم تتسع قلوب النازحين داخل المخيمات المترامية عند أطراف عرسال، للفرحة بسقوط نظام بشار الأسد، وانتفاء السبب الوحيد الذي كان يمنع عودتهم إلى بلادهم التي غادروها مكرهين، فلا جيش ينتظرهم عند الحدود ليدقق في هوياتهم ومراجعة سجلاتهم إن كانوا ضمن الفئة المصنّفة ضد النظام، أو سحب المطلوبين إلى الخدمة العسكرية، وإلقاء القبض على عائلات وأطفال البعض، ممن ثاروا ضدّ الظلم.
يرفع أطفال في مقتبل العمر، علم الثورة السورية داخل "مخيم الجامع"، يلوحون به من دون معرفة الثمن الباهظ الذي دُفع ليرفرف في سماء سوريا، بعد سنوات من النضال، فلكل منزل حكاية مع التعذيب والقتل وفقدان أحبة. ولدى سؤال "نداء الوطن" النازحين خلال زيارتها المخيم عن رمزيته يجيبون ببراءة الأطفال:"هيدا يلي انتصر بسوريا".
عائدون إلى القصير "حتى لو قعدنا بخيمة"
يوضب شاويش "مخيم الجامع" أبو ابراهيم حاجاته، يفك خيمته ويستعد للعودة إلى بلدته النهرية في ريف القصير صباح اليوم. يقول: "أعود إلى منزلي مرفوع الرأس بعد 13 عاماً من الهجرة والغياب. فرحة العودة توازيها حسرة خسارة الرزق والمنزل الذي أصبح ركاماً، وردم آبار المياه بعد سرقة معداتها من مضخات ومولدات، لكنه يصر على تشييد خيمة كالتي كان يقيم فيها في لبنان،"المهم أن أعود إلى بلدي، وكل أرزاقي فدى الثورة".
يسرد أبو ابراهيم ما حدث معه خلال دخول "حزب الله" والجيش الأسدي إلى ريف القصير، تلقى اتصالاً يتحرى عن السلاح والأموال الموجودة في المنزل، تحت وطأة التهديد بعدم السماح له في العودة، وبعد تفتيش المنزل من دون العثور على شيء، اتصلوا به قائلين: "جكارة فيك سندمر البيت"، حيث صوروا مقطع فيديو وهم يهدمونه، وأرسلوه إليه. يختم أبو ابراهيم حديثه بتوجيه الشكر إلى الله على بقائه وأولاده سالمين، وللدولة اللبنانية وأهالي عرسال على حسن الإستقبال والضيافة.
تسعيرة النقل تُعيق عودة البعض
عشرات العائلات السورية تستعد للعودة اليوم عبر ممر "وادي حميد" عند أطراف بلدة عرسال، حيث يقيم الجيش اللبناني حاجزاً هناك، يُدقق في هويات الراحلين، ثمّ يشقّون طريقهم نحو "معبر الزمراني" ومنه إلى بلدات القلمون الشرقي: فليطا، يبرود، رنكوس، قارة، كذلك إلى حمص وريف القصير، فالطريق عبر "معبر جوسيه – القاع" لا يزال مقفلاً، والسبيل الوحيد للوصول إلى حمص وريفها هو سلوك الزمراني الذي خصصه الجيش اللبناني تسهيلاً لعودتهم وعدم انتظارهم الترتيبات الرسمية.
ينوي أحمد حمود (56 عاماً) النازح في "مخيم عائدون"، العودة إلى منزله في بلدته فليطا في القلمون الشرقي، قائلاً: "مهما تغرّبنا بدنا نرجع لوطنا"، لكنه يواجه مشكلة في السكن، بسبب تدمير "الشبيحة لمنزله". أضاف: "منذ وصولي إلى عرسال عملت في توزيع السكاكر والمواد الغذائية، لدي 13 ولداً، معظمهم تزوجوا، ومنهم اختاروا زوجاتهم من عرسال، أسوة بالعديد من السوريين و "العراسلة" الذين تربطهم علاقات مصاهرة وعمل".
يشير حمود إلى أن "الكثير من السوريين بدأوا تصفية محالهم في البلدة تمهيداً للعودة، من لديه منزل سيعود، ومن يحتاج بيته إلى ترميم سيصلحه، والكثيرون يواجهون أزمة سكن، وهي التي تعيق عودتهم سريعاً". ويؤكد حمود أن "أزمة النقل تشكّل عقبة للعودة عند البعض، أجرة "البيك آب" إلى القلمون تُكلّف 300 دولار، وإلى حمص 500 دولار، وإلى القصير 400 دولار، غير أن بعض المتمولين السوريين في الخارج، اتصلوا بالنازحين وأمنوا لهم سيارات لنقل أمتعتهم، وإيجارات للسكن، تشجّعهم على العودة".
أما نزهة المشهداني من بلدة كرم الزيتون في حمص التي خسرت منزلها وفقدت زوجها خلال الحرب، فستبقى في عرسال، فلا منزل تعود إليه، ولا من يعيلها، تستفيد وبناتها من مفوضية اللاجئين بمبلغ قدره 60 دولاراً شهرياً، تكفيهن لشراء الطعام.
على عكس المشاهد السابقة، تشهد بلدة عرسال حركة خفيفة، لم يعتد عليها الزوار منذ بدء الأزمة السورية والنزوح، حيث ضخت المحال والمؤسسات التي افتتحها السوريون الحياة في شوارع البلدة.
إشارة إلى أنّ المصاهرة وارتفاع نسبة التزاوج بين البيئة العرسالية ومحيطها السوري من القلمون وحمص، وصل إلى حد عدم التمييز بين اللكنة التي يتقنها العرسالي وابن القلمون. وفيما بدأ ملف النزوح السوري يطوي صفحاته على مهلٍ، والذي يحتاج أشهراً عدّة لختمه، يبقى النصر بزوال نظام الأسد، السمة التي جمعت أهل عرسال والنازحين السوريين.